«لم أتخطّى الأمر رغم أنّه مضى أسبوع على الحادثة... كل ما أتذكره أنني ظننت القيامة قد قامت»، تقول أسيل (27 عاماً) بصوتٍ مرتجف. تضيف: «لا أزال حتى الآن أرتجف وأصرخ إذا سمعت أي صوت قوي، كإغلاق باب بقوة... أضحك على ردة فعلي اللاإرادية تارةً، وأخاف من تداعيات هذه الصدمة في داخلي على المدى البعيد طوراً».

أسبوع مرّ على الفاجعة، وما زال العدد الأكبر من الناس يشعر بها وكأنّها حصلت البارحة. الطفلة سنا سلامة، ابنة الأربع سنوات، شعرت بوقع الانفجار وكأنّه في الشارع المحاذي لمنزلها في زقاق البلاط. تكتفي في حديثها إلى «الأخبار» بجملة واحدة: «ما بدّي نام بغرفتي، بدّي نام حدّ ماما». تقول والدة الطفلة، إنّ الأخيرة «كانت تستعدّ للخروج في نزهة في بيروت يوم وقوع الانفجار. اليوم لم تعد تريد الخروج من المنزل، إلّا إذا عرضنا عليها الذهاب خارج بيروت. تبكي باستمرار، وتتبوّل في الفراش يومياً، تخشى انقطاع النور عن المنزل ولو للحظات، وتأبى النوم في سريرها»، وتضيف الوالدة إنّها تحاول الحديث مع ابنتها لكن «من دون جدوى».

عوارض ما بعد الصدمة
أسيل وسنا ليستا حالة استثنائية. سنا الطفلة لا تفهم شيئاً ممّا يحدث حولها سوى شعورها بفقدان الأمان، حتّى في منزلها الذي كان من المفترض أن يُشكّل لها مصدراً للأمان. هذا حال أغلب سكان بيروت وضواحيها، كباراً وصغاراً، ممن عايشوا الانفجار مُباشرةً، أو تلقوا الصدمة، أو تكبّدوا خسائر مادية أو بشرية. ورغم أنّ العوارض النفسية «مألوفة»، عادةً ما تحصل مع الناس لدى وقوع مآسٍ إنسانية، إلا أنّه من غير الطبيعي تجاهل أهمية معالجة الصحة النفسية، والندوب التي ستترك أثراً عميقاً في داخلهم، وستؤثر على شخصيتهم وحياتهم في المستقبل.
تقول المعالجة النفسية في مركز «CPRM»، ميسون حمزة، إنّنا «لا نزال ضمن الصدمة: الحزن العميق يغمرنا، ونعيش حالة من الهلع، خاصّة إذا كنّا في قلب الحدث، أمثال الذين ينتظرون خبراً عن ذويهم المفقودين»، مُضيفةً في حديثٍ مع «الأخبار» أنّه بعد فترة «ستظهر عوارض ما بعد الصدمة، ومن الممكن أن تمتدّ هذه الفترة بين الشهر والأربعة أشهر. عوارضها أكثر شّدة من فترة الصدمة، كشعور الذنب الذي يشعر به البعض لأنّه بقي على قيد الحياة في حين أن غيره مات، الاكتئاب الشديد، الأرق، عدم القدرة على القيام بنشاط، الخوف المفاجئ». وتلفت حمزة إلى أنّ عوارض ما بعد الصدمة يتفاوت ظهورها بين شخص وآخر، «بحسب فئات الأعمار، ودرجات الاضطراب النفسي لهؤلاء».

الأطفال أكثر تحسّساً
وتعتبر حمزة أنّ الأطفال هم الفئة الأكثر تحسّساً بالصدمات، لأنّ لديهم قدرة عالية على تخزين الصدمات والمشاهد التي تُرافقها، وبالتالي «تُستعاد الصور لدى الأطفال في ما بعد إذا لم يتم التعامل معهم كما يجب، خاصة أنّهم في عمر لا يعرفون فيه كيفية التحدّث عن مشاعرهم أو الأفكار التي تجول في خاطرهم»، مشيرةً إلى أنّ الطفل يُرسل إشارات إلى الأهل حول وضعه «غير الطبيعي»، من خلال سلوكيات معيّنة تظهر:
- نوبات بكاء مفاجئة
- التبول اللاإرادي
- الميل إلى اختيار الألوان الداكنة في الرسم...
أمّا في ما يخص فئة المراهقين، فترى حمزة أنّ «وضعهم يكون أكثر دقّة من وضع الأطفال، لأنّ في مرحلة المراهقة تكون هناك إعادة لتشّكل صورة الذات، وقد أتى الانفجار على شكل صدمة أعاقت هذه الوظيفة، الأمر الذي يترك لديهم نوبات غضب شديد، وردود فعل قاسية، وعدم تقبّل شيء، خاصة كل من يمثّل السلطة». ففي الحالة اللبنانية الراهنة، «مشكلة المراهق المباشرة هي مع السلطة التي تُهدده على مستوى اللاوعي، وبالتالي تتمظهر صورة الانفجار لدى المراهق بالقضاء على الحلم، وعدم إشباع لذّة الخروج والسهر».
تُشدّد حمزة على أنّ الحلّ لتجاوز هذه الصدمة، يكمن في:
- الخضوع لجلسات العلاج النفسي، لإفراغ المشاعر والخوف والصور المقيتة والوجع الذي تخزّن داخل الناس.
- الدعم الاجتماعي من خلال الاستماع وامتصاص نوبات الغضب التي ستظهر على الأفراد.
وتتحدّث حمزة عن مراكز تُقدّم العلاج النفسي المجاني، «مثل مركز «CPRM»، الذي يُقدّم الدعم النفسي مجاناً طيلة فترة الأزمة، من خلال تلقّي اتصالات عبر الإنترنت للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة».

الدعم المعنوي للمتضرّرين
تملك الأخصائية النفسية، تاتيانا نصار، تجربة في التأهيل النفسي من خلال تجربتها مع منظمة «Hilfswerk Austria International» النمساوية، و«أطباء بلا حدود». في بلدان عدّة عايشت حروباً وصدمات، «عُدّت برامج كان هدفها الأساسي العمل على التأهيل النفسي للأشخاص الذين يتعرضون بشكل مباشر لظروف غير طبيعية كحرب أو كوارث بيئية، من خلال التركيز على التعامل مع آثار مع بعد الصدمة، ونوبات الغضب واليأس التي تسيطر عليهم، ثم الانتقال إلى مرحلة إيجاد الدعم النفسي المطلوب والأمل من خلال المحيط أو العائلة أو المدرسة». وتضيف نصّار لـ«الأخبار» أنّ البرامج نُظّمت في مركز «يستقطب الأطفال والشباب بين 5 سنوات و25 سنة، يُقسّمون على مجموعات يقودها معالجون نفسيون، يخضعون خلالها لنشاطات جماعية أو جلسات انفرادية تساعدهم على تخطّي الصدمات وإعادة الأمل». وعن احتمال تكرار التجربة في لبنان لا سيّما بعد انفجار 4 آب، تلفت نصّار إلى وجود «جمعيات عدّة تُعلن عن مبادرات مماثلة، منها جمعية «Lebanon Need» التي ستبدأ برنامجها الأسبوع المقبل والتي تهدف إلى تقديم الدعم للأشخاص المتضررين نفسياً جرّاء الحادث. ويمكن الاستفادة من المبادرة لتجنّب الآثار النفسية التي ستظهر في ما بعد بشكل جليّ على الأفراد، وبالتالي على المجتمع اللبناني بأكمله».