مونتريال ـ الأخبار

قد تكون هذه المرحلة إحدى أكثر المراحل هشاشة لبرميل النفط. لو أن لهذا البرميل مشاعر لجُرحت بعمق بعدما أظهرت السوق سلوكاً نابذاً له رغم أنه يبقى المصدر الاساسي لاستهلاك الطاقة في العالم أجمع: خلال خمسة أشهر فقط تراجع السعر 25% ومن المتوقع أن يبقى منخفضاً حول 90 دولاراً للبرميل خلال المدى المنظور (وذلك بالاستناد إلى آليات العرض والطلب، حيث تغرق السوق بالنفط السياسي من الخليج وبالنفط الصخري الحديث من الولايات المتّحدة).

غير أنّ النفط ليس اللاعب المنبوذ الوحيد في السوق المالية. فالذهب يشهد منذ أكثر من عامين نفوراً من جانب المستثمرين. ولدى المقارنة بالأوج الذي سجّله في آب 2011، عندما بلغ سعر الأونصة الواحدة 1827 دولاراً، يكون سعره اليوم قد هوى بنسبة تفوق 36%.
على هذه الخلفية يبدو مجلس الذهب العالمي مفرطاً في التفاؤل. فهو يُشدّد في التقرير الأخير الذي أصدره عن أفق الاستثمار في الذهب خلال الفترة المقبلة، على أنّ ارتفاع وتيرة إصدار السندات المالية حالياً معطوفة على ضعف العوائد على سندات الدين إجمالاً وعلى تراجع التذبذب في السوق إلى مستويات قياسية، جميعها عوامل تدعم الذهب وتُشكّل فرصة للمستثمرين لشرائه ومراكمته في محافظهم.

في التفاصيل

فلندخل إذاً في تفاصيل ما يتحدث عنه المجلس. خلال النصف الأول من العام الجاري تجاوز الطلب العالمي على الذهب حاجز ألفي طنّ؛ صحيح أنه دون المسجّل خلال الفترة نفسها من العام السابق، غير أنه يبقى عند مستوى عال بحسب خبراء المجلس.
يتركّز أكثر من 53% من الطلب على الذهب في مجال المجوهرات والزينة. وهنا يُسجّل تراجع بنسبة 30%. وربما يعود هذا الأمر إلى إعادة النظر في مكانة الذهب كعنصر زينة أساسية في العديد من المجتمعات، وخصوصاً أنّ المنتجات التكنولوجية أضحت بديلاً جذاباً للإهداء.

السؤال المهم هو إلى
أي مستوى يصعد الذهب؟ اما السؤال الأهم: هل يسوء وضعه أكثر ويعود إلى التراجع


ويتوزع الطلب على هذا المعدن أيضاً في مجال التكنولوجيا حيث يُستخدم في الصناعات الإلكترونية وفي طب الأسنان، وفي المجال الاستثماري أكان عبارة عن سبائك حقيقية يتم نقلها إلى الشاري أو عبر طلب الصناديق الاستثمارية التي يُحدّد السعي إلى الأرباح حركة البيع والشراء التي تسجلها. والمصدر الأخير، ولكن ليس الآخر طبعاً، للطلب على الذهب هو شهية المصارف المركزية التي تراكم هذا المعدن في خزناتها باعتبارها عامل استقرار نقدي ممتاز كونه يدعم العملة وفي الوقت نفسه يُمكن تسييله للحصول على العملات الصعبة. وخلال الفترة المذكورة كان طلب المصارف الوحيد الذي سجّل نمواً، حيث مثّل 12% تقريباً من الطلب الإجمالي على الذهب، بعدما نما بنسبة 28% في الربع الثاني.

حتى الآن جيد

يشرح تقرير مجلس الذهب هذه المعطيات منطلقاً من عبارة «حتّى الآن، كلّ شيء تمام»! يوضح أن الأسعار سجّلت ارتفاعاً وإن طفيفاً وأنّ الذهب غلب التوقعات المأساوية التي أطلقها المحللون بداية عام 2014. برأيه فإنّ المؤشرات الأولية تفيد بأنّ طلب المستهلكين (أي الأشخاص العاديين) على الذهب يبقى صامداً، وذلك على الرغم من صعوبة المقارنة نظراً لأن عام 2013 كان قياسياً على هذا الصعيد.
كذلك عادت طلبات المصارف المركزية إلى الارتفاع وفي الوقت نفسه سجّل الطلب من صناعة المجوهرات خلال الربع الثاني من العام الجاري أفضل فترة له منذ عام 2005. من جهة أخرى، والتحليل لمجلس الذهب أيضاً، فإنه رغم ضعف الطلب الاستثماري إلا «أننا نرصد عودة الزخم إلى الاهتمام بالذهب». تبدو الصورة مشرقة إذاً بحسب هذه الكلمات. ولكن رغم كل الإيضحات الإيجابية، يبقى الواقع أنّه على الرغم من أنّ أحد عناصر توليفة الطلب على النفط سجّل نمواً – أي طلب المصارف المركزية - لم يكن لهذه الحركة تأثير على باقي مكونات الطلب. حتّى السعر الذي يقول مجلس الذهب إنه ارتفع بنسبة 9.2% خلال الفترة المذكورة، يبدو أنه إلى انحسار حالياً.
«من وجهة نظرنا، يستطيع الذهب أن يخفض مستوى المخاطر الإجمالية لمحافظ المستثمرين» يقول خبراء المجلس في تقويمهم، ويحاججون بأن قرار رفع الاعتماد على الذهب يُعدّ أقل كلفة من العديد من الاستراتيجيات الاستثمارية الأخرى.
قد يكون الذهب أقل كلفة وتذبذباً في هذه المرحلة غير أنه عند مستويات منخفضة جداً وقد لا يجد مكاناً يذهب إليه سوى الصعود. السؤال المهم هو إلى أي مستوى يصعد؟ أما السؤال الأهم: هل يسوء وضعه أكثر ويعود إلى التراجع؟