منذ أكثر من 40 عاما، تتطلع المصارف اللبنانية إلى التوسع في الأسواق الخارجية. الأسباب عديدة، أبرزها ضيق حجم الاقتصاد اللبناني من جهة، وضعف الحجم السكاني من جهة ثانية. كذلك فإن التوتر السياسي والأمني المتواصل في البلد، وما يرتبط به من انعدام للاستقرار، يدفعان اللبنانيّين من مختلف الأعمار إلى الهجرة، ولا سيّما الشباب.


كذلك يدفع عدم الاستقرار الأمني – السياسي إلى تقلّص الاستثمارات الجديدة، وتالياً إلى تراجع معدّلات نمو الاقتصاد، وتراجع مداخيل الأُسَر وأرباح المؤسسات. وتنعكس هذه المسبّبات تقلّصاً في النشاط المصرفي الداخلي إيداعاً وتوظيفاً. فتتطلّع المصارف بنتيجة هذه التطورات إلى المزيد من التوسع في اتجاه الخارج، إما لازدياد ضيق السوق المحلية، وإما للّحاق بقاعدة زبائنها في المنطقة العربية أو خارجها.
وقد شجع مصرف لبنان هذه السياسة التوسعية للمصارف منذ سنوات، وباركها وحث المصارف على التوسع خارج لبنان، والعمل على تحرير كلي لتوظيفاتها في الخارج. وأكد حاكم المصرف المركزي رياض سلامة أنه «سيكون هناك ارتباط بين قدرة المصرف الإفرادية على التوسع، والتزام هذه المصارف المعايير المحددة في مؤتمر بازل-،2 مع ما أضاف إليها مصرف لبنان من معايير ترتبط بالسيولة والتسليف والتوظيف».
وقد طوّرت المصارف اللبنانية في العقدين الماضيين شبكة انتشار خارجي واسعة قياساً إلى حجم نشاطها، وبأشكال قانونية عدة، كمكاتب التمثيل والفروع الخارجية والمصارف الشقيقة أو التابعة.
ويمتلك حالياً 16 مصرفاً لبنانياً تمثل ما يقارب 86% من حجم القطاع حضوراً في أكثر من 30 بلداً تغطّي أسواقاً عربيةً مهمةً كسوريا والأردن والعراق ومصر والسودان والجزائر والسعودية والإمارات والبحرين وقطر وعمان، كما تغطّي أسواقاً إقليمية ذات وزن اقتصادي راجح كتركيا.
هذا إضافة إلى الانتشار المصرفي اللبناني القديم / الجديد في القارة الأوروبية، بدءاً بسويسرا وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا ولوكسمبورغ وموناكو، مروراً برومانيا وبيلاروسيا وأرمينيا وصولاً إلى بلجيكا وقبرص، كما توسّعت المصارف اللبنانية أيضاً خارج هاتين القارتين باتّجاه القارة الأميركية (كندا) وأفريقيا (شاطئ العاج، نيجيريا، الكونغو والسنغال) وأخيراً أوستراليا.
وامتدّت شبكة المصارف اللبنانية في الدول المشار إليها إلى العديد من المدن الرئيسية فيها، وباتت مصارفها التابعة أو الشريكة أو الشقيقة البالغ عددها 39 مصرفاً تمتلك عدداً من الفروع تخطّى عددها الـ 240، ما يمثل 25% من فروع لبنان. أما حجم نشاط مصارفنا في الخارج، فيمثّل 17% من إجمالي الميزانيات المجمّعة للمصارف الـ 16 العاملة في الأسواق الخارجية.
وقد أخذ البعض على الانتشار المصرفي اللبناني في الخارج مآخذ تتعلّق بالمخاطر التي يمكن أن تترتّب على خروجها من سوقها الطبيعية إلى أسواق إقليمية أو دولية تُعدُّ معرفتها بها ضعيفة على نحو عام.
لكن لا يمكن إنكار أن استثمارات وتوظيفات المصارف اللبنانية في الخارج تمثل تنويعاً جيّداً لنشاطها، وتترتّب على معظمها بمفهوم لجنة «بازل» أوزان مخاطر أدنى من تلك المترتّبة على موجوداتنا الداخلية، وتالياً متطلبات أقلّ بالأموال الخاصة. هذا لا ينفي وجوب أن يقترن هذا الانتشار الخارجي بتقوية موارد هذه المصارف البشرية والترسملية والتنظيمية.
كما أن الحضورَ المصرفي الخارجي يمثّل كذلك تصديراً للخدمات اللبنانية إلى الخارج، ويساهم مستقبلاً في إعادة التوازن إلى المدفوعات الخارجية.
أدناه، جداول ورسوم بيانية تظهر خريطة انتشار المصارف اللبنانية في الخارج.