كان الإسبان أول من اكتشفوا الكينوا التي سمّوها «النبتة المقدسة» نظراً إلى احتوائها على كميات عالية من البروتينات التي تتركب في الأحماض الأمينية، إضافة الى ضعف كمية الألياف، ما يجعلها مناسبة لعلاج الإمساك وعاملاً مساعداً لخفض مستوى الكولسترول والسكر في الدم.


وتعدّ «الكينوا» ثمرة هامة لنمو الأنسجة وتجدّدها، وهي غنيّة بالفيتامينات الأساسية ومناسبة للذين يتبعون حميات غذائية. إذ إن ثلث كوب من الكينوا يحتوي على 70 سعرة حرارية فقط.
برزت هذه الزراعة في لبنان حديثاً كخيار بديل، علّها تساهم في حل بعض المشكلات الكثيرة التي يعانيها القطاع الزراعي الوطني، ولا سيما قضية الغذاء التي يفترض أن تحتل أولوية في أهداف كل سياسة اقتصادية شاملة.

الاستثمار في المستقبل

منذ فترة، بدأت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو» في لبنان بتعريف المزارعين والمستثمرين على ثمرة «الكينوا»، ولفت انتباههم الى فوائد النشاطات الزراعية البديلة، وإلى أهميتها على باقي الحبوب وفعاليّتها في اجتثاث الجوع والتّرويج لحماية غذائية وصحية أكثر. ولهذه الغاية، نظمت المنظمة مؤتمراً دولياً تحت شعار «مستقبل زرعت بذوره قبل آلاف السنين»، وجاء هذا الحدث بناءً على اقتراح من دولة بوليفيا ودعم من دول عدة كالإكوادور والبيرو وبوليفيا والأرجنتين وأذربيجان.
وهدف المؤتمر الى إبراز التنمية الزراعية المستدامة وعرض الإمكانات المحلية وتحليلها استناداً الى القدرات الأوروبية ذات الجودة العالية، الموجودة في بلدان كالدانمارك، وبريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، وإسبانيا، وذلك من أجل ضمان بنية زراعية بديلة على نحو مستدام، وتعزيز مبدأ التصدير والربح الاستثماري أيضاً.
وتتصدّر البيرو إنتاج حبوب الكينوا بـ 33 ألف طن متري، تليها بلدان مثل بوليفيا التي بلغ إنتاجها من حبوب الكينوا حوالى 50566 طناً عام 2012، إضافة الى الإكوادور وأميركا.

في لبنان

عن هذا الموضوع على الصعيد المحلي، توضح الخبيرة في الشؤون الزراعية، الدكتورة مي عيسى، أن «حبوب الكينوا باتت تعتبر اليوم المنافس الأول للقمح والشعير، ففي أيلول الماضي أطلقت منظمة الفاو مشروعاً تجريبياً من أجل زراعتها، بالتنسيق مع مراكز الأبحاث الزراعية في مناطق صور وتل عمارة وكفردان،

الكينوا لا تزال زراعة تجريبية في مناطق تل عمارة وصور وكفردان
على أن تلي هذا المشروع ورشات عمل ودورات تدريبية لتعريف المزارعين والمهندسين بأهمية هذه السياسة الجديدة التي انطلقت في وقت سابق في بلدان عربية وآسيوية تعاني من مشاكل الجفاف والجوع». وأضافت إنّ هذه الورشة الزراعية «تهدفُ إلى تقييم الإمكانات واستحداث زراعةٍ منتجة تعتمد في الشكل الأول على تعريف الجمهور والفئة التي تعنى بهذا الشأن على هذا الملف الجديد».
وأكدت عيسى «أن تأمين الغذاء يعتمد أساساً على طرق زراعته. وزراعة الكينوا تضع أمامنا مسؤولية جديدة قادرة على معالجة مشاكل تتعرّض لها أنواع زراعات أخرى، وخصوصاً أنّ انتاج 350 غراماً من الكينوا تبلغ كلفته حوالى 12000 ليرة لبنانية فقط. كما أن مشاركة منظمة الفاو من شأنها أن تساهم في نقل الإمكانات والقدرات لبناء واستحداث طرق زراعية بديلة محلية، قادرة على خرق السوق الداخلية وتحقيق الاكتفاء الذاتي، باعتبار أن هذه الحبوب يستفاد منها في صناعات أخرى».
وتتابع «إن «الكينوا» من أهمّ الحبوبِ التي يعود تاريخها الى آلافِ السّنين، وهي من أغنى مصادر البروتين، حتى إن نسبة البروتين الموجود فيها والتي تبلغ 16-18% تفوق بنسبها الكمية الموجودة في الحليب والقمح. علاوة على ذلك، تتضمن «الكينوا» أهمّية معدنية خاصة لا توجد في حبوبٍ غذائية أخرى، فمعادنها مهمة لتجدّدِ الخلايا ونموّ الأنسجة. وهي غنيّة بالمعادن الأساسية كالماغنيزيوم والأوميغا 3 والحديد، كما أنها ملائمة للأشخاص الذين يعانون من الحساسية تجاه اللاكتوز، إضافة الى أنها لا تحتوي على الغلوكتين وخالية من الكوليسترول، ويسهل هضمها».
من جهة أخرى، لفت رئيس فرع الوقاية في مصلحة الأبحاث الزراعية الدكتور إيليا الشويري إلى أن هذه الزراعة دخلت فعلاً السوق اللبنانية وبدأ مبيعها في المحال والسوبر ماركت، غير أن سعرها ما زال مرتفعاً على الرغم من حجم الطلب المرتفع الذي حققته.
وأشار إلى أن مشروع زراعة الكينوا في لبنان برز في بداية عام 2013، كمشروع تجريبي قيد الدرس يمتد على مدى سنتين تقريباً، وزرعت الكينوا ضمن أنواعها الثلاثة (الحمراء، الصفراء، السوداء) في ثلاث مناطق، وذلك بعد الأخذ في الاعتبار اختلاف الأنماط المناخية أي في مناطق الشمال والبقاع وصور.
في السياق ذاته، أوضح رئيس نقابة المزارعين أنطوان الحويك أن زراعة الكينوا تجري تجربتها حالياً في البلدان الفقيرة، لكون قيمتها الغذائية مرتفعة، لافتا إلى أن بعض المزارعين اللبنانيين تعرّفوا على هذه الزراعة وأبدوا رغبتهم في تطويرها والعمل على تحسين انتاجيتها، لتحتل لاحقاً أهمية على صعيد المنتجات الزراعية.
ولدى سؤال رئيس نقابة الفلاحين في لبنان إبراهيم ترشيشي، عن الموضوع، أجاب بأنه لا علم لهُ بهذه النوعية الجديدة من الزراعة.


وفي السياق عينه، يوضح خبير متابع للشأن الزراعي أن ما يميز «الكينوا» في مراحل نموّها الطبيعي اعتمادها على عناصر أساسية تستمدّها من المناخ والتربة والماء، والفكرة الأساسية هنا أن «الكينوا» لا تستهلك أثناء نموّها كميات كبيرة من المغذيات الموجودة في التربة. ومن خلال تحليل النّبات ومعرفة قدرة التربة، تبيّن أن عملية إمداد «الكينوا» بعناصرها الغذائية الممتصة من التربة لا تحتاج الى كميات محددة من المياه، ولا تحتاج الى مناخٍ معيّن، بل لديها القدرة على التّعايش مع شتّى أنماط المناخات في العالم. وهذا يعني أنها تعطي مردوداً جيّداً مقابل شروط إنتاجية غير مكلفة».
ويبدو أن زراعة «الكينوا» ستدخل في المستقبل القريب كغذاء أساسي للأجيال الحاضرة والمستقبلية، نظراً الى كون زراعتها تتوافق مع كل الظروف الإيكوليوجية، أي أنها قادرة على التكيف والنمو في رطوبة تتراوح بين نسبة 40% الى 88%، كما أنها تقاوم النقص في رطوبة التربة، حيث إنه يمكن زراعتها من صفر م عن سطح البحر حتى مناطق جبلية ذات ارتفاع 3800 م.
وفي ظلّ التغيرات المناخية واشتداد المنافسة الزراعية، قدّمت حبوب «الكينوا» نفسها كبديلٍ زراعي في البلدان التي تعاني من انعدام الأمن الغذائي أو تلك التي تشتكي من قلة في الموارد المائية أو البيئية المناسبة، فماذا سيكون مصيرها في لبنان؟ سؤال برسم المعنيين في القطاع الزراعي، الساعين إلى حل ولو لبعض المشاكل الكثيرة في هذا القطاع، التي تتجدد مع كل موسم.