لو أنّ العالم كله يسير بحسب الساعة الثقافية اليابانية، لكنّا شهدنا نسبة هائلة من المديرين والقياديين في عالم الأسواق المالية في عداد الموتى انتحاراً. ذلك أنّه بعد الأزمة المالية التي أطلقت الركود العظيم عام 2008، وجد كثيرون أنفسهم أمام حائط مسدود: بعدما كانت الوكالات قد صنّفت السندات المالية الملوّثة بأنها عند درجة ممتازة، تبين أنها تقوّمها بأنها خردةّ!


منذ ذلك الحين، تزرع سيرة الوكالات وتحديداً الثلاث الكبرى – S&P وFitch وMoody’s – أينما تحلّ، بذور الشكّ والازدراء. غير أنها، وبحكم آليات النظام الذي تزدهر فيه، تبقى تتمتع بمكانتها.
لبنان لم تعصف به رياح الأزمة المالية، لأسباب خاصة بكيفية إدارة ماليته العامّة وقطاعه المصرفي. غير أنّه ليس أبداً بمنأى عن التصنيف، ولعلّ هذا الأمر جيد له لأنّ آلهة السوق راضية عليه على ما يبدو.
أخيراً، أصدرت وكالة Standard & Poor’s تقريرها الخاص بلبنان الذي تحافظ فيه على تصنيفها للدين السيادي البعيد والمتوسط مدى الاستحقاق (عند B- وB على التوالي) وتجزم بأن الأفق مستقرّ.

إمكان تأثر النشاط الائتماني في حال أضحت أعمال الإرهابيين والمتطرفين تؤثّر جدياً على الثقة


بحسب السناريو الإيجابي، تفترض الوكالة أنه إذا أضحت المالية العامّة أكثر استدامة (أي تم خفض عجز الموازنة العام) «فإننا قد نعمد إلى رفع التصنيف». تُشير إلى أن تحسناً كهذا في مجال توازن المالية العامة سيتحقّق إما نتيجة حصول خرق سياسي في سوريا – «ما سيحسن آفاق النمو الاقتصادي في لبنان – وإما تحقق تحسن على مستوى السياسة المحلية، ما قد يُترجم إصلاحات مالية.
الكلام النخبوي الذي يرد في تقارير هذه الشركات والمصارف المخملية لا يعني الكثير للعامل العادي والمياوم في اقتصاد تتآكله نزاعات المنطقة وينخره الفساد؛ لا تساوي حتى الحبر الذي كتبت فيه.
ولكن هكذا يسير العالم، وبرأي هذه الوكالة فإنّ لبنان يسير بفضل جهازه المصرفي المتكامل – أي «التعاون» بين مصرف لبنان والمصارف التجارية. ففي إطار هذه البيئة المتكاملة تجري عملية إعادة توظيف الأموال السخية التي تتدفق على البلاد من مختلف المصادر؛ أهم الاستثمارات هي في الدين العام الذي يدير مصرف لبنان لعبته ويؤمن للمصارف التجارية سندات بفوائد عالية لامتصاص سيولتها وتوظيفها في الدين باسمه.
اعتاد لبنان، رغم كلّ المخاطر المحيطة به، أن تستمر الأموال بالتدفق إليه. الأسبوع الماضي، توقع البنك الدولي أن تبلغ قيمة تحويلات المغتربين إلى لبنان 7.7 مليارات دولار، ليسجل هذا البلد أعلى معدل تحويلات نسبة إلى الناتج في العالم.
إلى هذه الدرجة، لبنان قادر على جذب السيولة من كلّ حدب انتشر فيه الاغتراب. وهو واقع تستند عليه S&P كثيراً في تحليلها. تعلّل الوكالة تصنيفها المستقر بواقع أنّ تدفق الودائع إلى القطاع سيستمر خلال العام المقبل، على الرغم من البيئة التشغيلية الصعبة على المستويين المحلي والخارجي، وبالتالي فإنّ القطاع المالي سيمضي في تأمين الاحتياجات التمويلية للحكومة.
وإلى جانب التحويلات، تشدّد الوكالة على أهمية الاستثمارات الأجنبية المباشرة وودائع الأجانب، إضافة إلى الاحتياطي الأجنبي الذي يراكمه مصرف لبنان. وبنهاية تموز الماضي، بلغت تلك الاحتياطات 35.1 مليار دولار.



ولكن في المقابل، «إذا تدهور الوضعان الأمني والاقتصادي إلى درجة توقف تدفق الودائع، أو إذا تدهورت المالية العامة على نحو ملحوظ، قد نعمد إلى خفض التصنيف» تتابع الوكالة شرحها.
عموماً، تتحدّث مختلف المؤسسات المالية عن إمكان تدهور الأوضاع السياسية والأمنية، وبالتالي إمكان خفض التصنيف وإعادة النظر بفكرة «استقرار لبنان» و»قوة لبنان في نظامه المصرفي».
المصرف البريطاني «باركليز»، تحدث أخيراً في تقريره الخاص بلبنان عن إمكان تأثر الآليات المصرفية في لبنان – وتحديداً الإقراض والنشاط الائتماني – في حال أضحت أعمال الإرهابيين والمتطرفين تؤثّر جدياً على الثقة.
هذا التحذير ليس جديداً ويتكرّر في مختلف التقارير. في تقويم S&P نفسها، إشارة إلى استمرار ضعف الأداء الاقتصادي، إذ رغم الاستقرار الأمني الذي سُجّل نسبياً في الداخل، تدهورت الثقة نتيجة المخاوف من عمليات مجموعات تنظيم «داعش» (أو الدولة الإسلامية) ونتيجة ارتفاع وتيرة الحوادث الأمنية.
غير أن هذه الحوادث مستمرّة منذ انقلاب موازين لبنان عام 2005 بعد ستاتيكو استمر 15 عاماً بعد انتهاء الحرب. ما يُمكن جزمه في هذه الحالة إذاً هو أن تصنيف لبنان يرتبط بوجوده: سيبقى التقويم مستقراً إلى أن تنهار البلاد كلياً، حينها لن يعود هناك نفع للتصنيف من أساسه.