ليست «إيبسوس» مجرد شركة عالمية عملاقة. ليست القضية هنا أن لديها مكاتب في 48 دولة، ولا أن صافي أرباحها في العام الماضي بلغ أكثر من مليار دولار أميركي، وأن عدد موظفيها زاد على 35 ألفا.

ليس تميز الشركة في كونها تعد ثالث وكالة أبحاث في العالم، ولا في أنها تجري سنوياً أكثر من 07 مليون مقابلة شخصية. حتى التدفقات المالية التي تتحكم بها الشركة في الأسواق العالمية ليست منبع قوتها فحسب.

«إيبسوس» قبل أي شيء معضلة فكرية، وهي معضلة لا تقف عند حدود هذه الشركة فحسب...
إنه طوق البشر نحو التصنيف، نحو إطلاق الأحكام، وتوزيع المراتب. طوق فطري في النفس البشرية قامت عليه إمبراطورية من المعلومات والأبحاث والدراسات باتت تحدد مصائر الناس، برضاهم وغصباً عنهم أحيانا كثيرة. تلك هي القضية.

■ ■ ■



علاقة العرب بـ«أفعل التفضيل»، غريبة، ولا تفهم أحيانا. يعشقون «غينس»، أطول مبنى، أعلى فندق، أضخم جسر، أكبر مركز، أغنى رجل، أغلى سيارة...
الأغرب ألا تجد في محاولات «البحث عن مشكل» بين «إيبسوس» وأطراف أخرى، أي مشكلة للشركة في أوروبا أو الولايات المتحدة، أو حتى أفريقيا. المشكلة فقط في بلاد العرب. أمر لافت.
لم تصادف الشركة طيلة 52 عاماً من عملها أي مشكلة مع أي من الأطراف الكثر في «العالم المتحضّر»؟
يقول شعار «إيبسوس» «لا أحد غير متوقع»، وفي علم النفس وعلم الاجتماع يصنف الشخص الذي لا تستطيع أن تتوقع أفعاله بـ»غير الطبيعي».
يبدو أن «إيبسوس» لم تتوقع هذا «الربيع العربي الإحصائي» الذي اندلع ضدها في مصر والسعودية ولبنان بسبب تصنيفاتها.

■ ■ ■


ليس الدخول في تفاصيل السجال القديم المستجد بين «إيبسوس» وشركات محلية تمثل ثقلاً في القطاع الخاص اللبناني هو الهدف.
السؤال الوجودي في هذه المعضلة هو من يصنّف من؟ وكيف؟ قبل الشروع في تفاصيل الحديث عن لوبيات وغياب شفافية ومعايير علمية وتأثيرات داخلية وخارجية، يجب الاتفاق على المبدأ. أمر غير موجود، ويبدو من الصعب بلوغه حتى.
كل الأطراف مطالبة بشفافية أكثر، لكن لا يمكن أن يبدأ النقاش من أن «أنظمتنا غير قابلة للخرق» كما تؤكد «إيبسوس» في ردها على المشككين.
كلام غير علمي، يرفعها إلى مصاف الآلهة، وللعرب باع في أكل «الآلهة من التمر».