هل تريد تطوير حياتك؟ هل تريد تحسين مستواك المعيشي والحصول على أصدقاء والشهرة وكسب محبّة الآخرين؟ هل تريد أن تُبرهن لـ«الحاقدين» عليك أنّك إنسانٌ عظيم وهم الخاسرون؟ إذاً أهلاً بك في عالم التنمية البشريّة أو الـself help، لن تُحقّق أيّاً من هذا، لكنّك ستشعر كما لو أنّك فعلت.


يعود تاريخ حقل «التنمية البشريّة» إلى آلاف السنين، من مؤلّفات المصريّين والإغريقيّين القدامى حول نصائح لطرق العيش والتعامل مع الآخرين، وصولاً إلى المسارح وقاعات المُحاضرات الضخمة اليوم التي يقف المُتحدّثون فيها لإرشاد المُستمعين حول كيفيّة الوصول إلى أفضل نُسخة من ذاتك.

لم يكن حقل التنمية البشريّة أو الـself help بالرواج الذي هو عليه اليوم، فقيمة هذا القطاع التجاري الضخم اليوم تبلغ حوالي 14 مليار دولار سنويّاً. حقل التنمية البشريّة اليوم مُنظّمٌ وله قادته ورموزه ونشطاؤه وجماهيره الغفيرة المُستعدّة لإنفاق المال والوقت لمتابعة هذه الأنشطة. لكنّ محتوى هذه الأنشطة غالباً ما يكون، للأسف، غير علميّ، ومُمتلئاً بالأوهام غير الواقعيّة التي يستسيغها المستمع.

على سبيل المثال، أحد ركائز التنمية البشريّة هو أنّك إذا قرّرت اليوم، ستحقّق غداً، وأنّ الجهد والعزيمة والعمل الشاقّ هو سبب النجاح، والكسل والخيارات السيّئة مسؤولة عن الفشل. ولكنّ الدراسات العلمية تقول العكس: الظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة والزمانيّة والمكانيّة التي ينشأ فيها الفرد هي التي تتنبّأ بشكل أساس بالمستقبل المهني والنجاح العملي فيه.
في عام 2018، قام فريق بحثيّ في جامعة هارفرد بتحليل بيانات ومعلومات من الإحصاءات الرسمية الأميركية لإيجاد ارتباطات بين ظروف الشخص الحياتيّة منذ صغره، وبين دخله المادّي.

ما وجدوه هو أنّ هناك ارتباطاً قويًاً بين المكان الذي يولد فيه الشخص، وبين معدّل دخله لاحقاً. أنشأوا من خلال ذلك «أطلس الفرص» (the opportunity atlas)، وهو عبارة عن خريطة توضح التفاوت بين المناطق التي يولد فيها الشخص وتوقّع معدّل الدخل لاحقاً.
إذاً، العامل الرئيس لتوقّع النجاح المتمثّل بالدخل ليس جهدك الفردي، ولا حدسك الرأسمالي، بل ببساطة المنطقة التي وُلدتَ وترعرعت فيها، ومعدّل دخل والديك، وهذه عوامل خارج نطاق سيطرتنا و«قراراتنا». لا شكّ طبعاً أنّ هناك أمثلة كثيرة عن أشخاص أحدثوا تحوّلاً جذريّاً في ظروفهم، وكسروا هذه التوقّعات، وأنّ هنالك عوامل أخرى تتدخّل في هذه المعادلة، ولكنّ هذا المسار هو الاستثناء لا القاعدة. المُشكلة تكمن في تسويق هذا المسار كالمسار المتوقّع للجميع إذا ما عملوا وأصرّوا على أهدافهم، وتسويق نماذج الاستثناءات هذه كرموز لـ«من يُمكن أن نُصبح» إذا ما تحلّينا بالإصرار والعزيمة وبذلنا جهوداً كبيرة لبلوغ أحلامنا. هذه المفاهيم للأسف تصرف انتباهنا عن الأزمة الحقيقيّة المسؤولة عن هذا التفاوت، أي الأنظمة والهياكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تُعزّز وجوده.

هذا أحد الأمثلة الوفيرة التي توضّح عدم استناد كثيرٍ من «دورات التنمية البشريّة» هذه إلى محتوى علميّ متين. إذاً، لماذا ينجذب كثيرون إلى هذا العالم رغم أنّه بمعظمه غير علميّ؟
أوّل حافز لدخول هذ العالم والغوص فيه وإنفاق المال عليه هو أنّه يمنح الشخص «وهم التقدّم». يشعر الشخص بالإنجاز بعد مشاهدة هذه الندوة أو إتمام تلك الدورة أو الانتهاء من قراءة ذاك الكتاب. يشعر بالإنجاز بسبب ما يُسمّى «تزييف العمل» (action faking) وهو مصطلح يصف قيامنا بمهام تُشعرنا بالإنجاز دون أن نُنجز شيئاً فعلاً، كأن تقضي وقتاً في وضع برنامج لتدرس دون أن تبدأ بالدرس. تزييف العمل هو أسوأ من الكسل أو المماطلة، لأنّه يوهم صاحبه بأنّه يُنجز شيئاً ما. وهذا تحديداً ما تفعله الكثير من هذه الدورات والخطابات والكتب والمقالات: تُعطي القارئ أو المُستمع تدفّقاً في الـdopamine (هرمون الاستمتاع أو السعادة) لأنّه يشعر بالقوّة والقدرة على تحقيق النجاح، وتُعطيه شعوراً مزيّفاً بالإنجاز بينما يستمرّ في إنفاق أمواله مقابل المزيد من هذه التحفيزات قصيرة المدى دون أن يكون قد أنجز ما يُذكر.

المُشكلة الأخرى في حقل التنمية البشريّة هي الإفراط في تعزيز الفردانيّة والتركيز على الذات كأهمّ هدف وغاية في حياة الإنسان. الفردانيّة المُفرطة تغضّ النظر عن التفاوت في الفرص الآنف الذكر، وتضع المسؤوليّة على عاتق الشخص نفسه لتغيير مستوى حياته، لا على الأنظمة والهياكل التي تحرس هذا التفاوت. خطاب التنمية البشريّة بمعظمه يُعزّز الفردانيّة، ويُعزّز فكرة أنّ الفشل والفقر هما من نتائج سلسلة خيارات فرديّة سيئة، يتحمّل مسؤوليّتها الفقير نفسه الذي بإمكانه اليوم أن يقرّر وينكبَّ على العمل للوصول إلى حلمه! ومع الأخذ بعين الاعتبار الثروات الطائلة التي يراكمها روّاد هذه المجالات، تبدو مؤلفاتهم وخطاباتهم كردٍّ من الطبقة الثريّة على الطبقة العاملة يقول: أنتم أيضاً يمكنكم تحسين نمط عيشكم عبر التركيز على أنفسكم وذهنيّتكم ومن خلال الجهد والعزيمة.

كثيرون يلجؤون لهذا الحقل لأنّهم يرون أنفسهم بحاجة إلى تعلّم مهارات إدارة الوقت أو مهارات التخطيط والقيادة. وتطوير الذات والعمل على تحسين نقاط القوّة والضعف لدى الفرد في سبيل تطوير مهاراته أمرٌ جيّد ومُثيرٌ للإعجاب، لكنّ حقل التنمية البشريّة الذي أصبح اليوم حقلاً تجاريّاً بامتياز قد لا يعود بهذه الفوائد أساساً، ولا يسدّ هذه الحاجات. يُسوَّق هذا الحقل على أنّه أيضاً فرصة لتحقيق الرضى عن الحياة التي يعيشها الإنسان، وليصبح نُسخةً «مُحسّنة» من نفسه تُشعره بالفخر، من هنا فالمطلوب أيضاً هو تفحّص ما تقوله الدراسات فعلاً عن «تحسين» نوعيّة الحياة، وهي استنتاجاتٌ غير أخّاذة ولا ساحرة، ولا تمنح من يطّلع عليها شعوراً بالقوّة والإنجاز. على سبيل المثال، يُفسّر البروفيسور في علم النفس مارتن سليغمان، من خلال نتاجه مع فريقه البحثيّ حول السعادة، أنّ الحياة الغنيّة بالمعنى، والتي يرتبط فيها الفرد ضمن جماعات بأهداف وقضايا أكبر منه يسخّر طاقاته لخدمتها، هي الحياة التي تؤدّي إلى أعلى منسوب من الرضى في أواخر العمر. هذه النتائج العلميّة مثلاً هي نقيض المفاهيم المغلوطة التي يُروّج لها «قادة» التنمية البشريّة، فالواقعيّة في مقاربة التجربة البشريّة لا تملأ صالات التدريب ولا جيوب المدرّبين، كما أنّها تتطلّب شروطاً ومؤهلات صعبة للمتحدّثين.

لا شكّ أنّ عالم التنمية البشريّة عالمٌ ساحر، وانجذابنا له طبيعيّ لما فيه من عناصر تُلبّي رغباتنا النفسيّة، أو خدمات تبدو كأنّها تستطيع صقل تجربتنا البشريّة، لكنّه أيضاً عالمٌ للأسف مليءٌ بالهراء غير العلميّ والأوهام غير الواقعيّة، التي لا تُساعدنا على تحسين حياتنا فعلاً، بل تمنحنا جرعات مؤقتة من القوّة ووهم الإنجاز مقابل مالنا ووقتنا ومتابعتنا.