بحسب مؤسسة «البحوث حول الصداع النصفي»، يزور أميركي واحد، كلّ عشر ثوانٍ، غرفة الطوارئ بسبب شعوره بألم قويّ في الرأس. وما قد لا يعرفه كثيرون، أنّ هذا الألم، الذي يعرف بالصداع النصفي، أو الـ«شقيقة»، هو ثالث أكثر الأمراض انتشاراً في العالم. ففي أرقام صادمة، اتّضح أنّ 12% من مجمل سكان الأرض، من بينهم أطفال، يعانون من هذا المرض الذي يصيب غالباً الشباب بين أعمار 18 و44، أي الفئة الأكثر إنتاجية في المجتمع.


وفي ما يتعلّق بالأطفال، أظهرت الإحصاءات أنّ 10 في المئة منهم يعانون هذا الصداع في سنّ الدراسة، وأنّ نسبة التغيّب عن المدرسة لديهم هي أعلى بمرتين من التلاميذ الأصحاء.

وتبقى الحصة الأكبر من هذا المرض مخصصة للنساء، لا سيما بعد سن المراهقة، إذ تعاني امرأة من بين 4 نساء من هذا الصداع، أي بنسبة أعلى بثلاث مرات من الرجال. وتكثر النوبات الحادة لدى المصابات، فيما يعيد العلماء سبب ذلك إلى تقلّبات هرمونات الـ«إيستروجين» النسائية.

وعلى عكس ما يُخيّل للكثير منّا، يتخطى هذا المرض مجرّد كونه صداعاً حادّاً. فيُعرّف على أنه اضطرابٌ عصبي مزمن، يترافق عادة مع عوارض مرضية أخرى، تدوم بين 4 و72 ساعة، تُشلّ خلالها، حرفياً، حياة المريض. ومن هذه العوارض، الاضطرابات البصرية والغثيان والتقيؤ والدوار والحساسية المفرطة تجاه الصوت المرتفع والضوء واللمس والرائحة، والشعور بخدر في الأطراف أو الوجه. ويتخطى المرض العوارض الجسدية، ليسبب عوارض نفسية قد لا تقلّ خطورة عنها، كالقلق المفرط واضطرابات النوم والاكتئاب.

وبالرّغم من هذه الوقائع، يبقى الصداع النصفي، حتى اليوم، مرضاً غير مفهوم من غالبية الناس، ولا يتمّ في أغلب الأحيان تشخيصه أو علاجه بالشكل المناسب. فحتى العام 2020، 50% من مصابي الصداع النصفي، في الولايات المتحدة، كانوا غير مشخصين، كما أنّ الأغلبية الساحقة من المرضى لا يسعون للحصول على العناية الطبية اللازمة، بحسب المؤسسة.

وعلى إثره، تستمرّ الانتاجية في عالم العمل بالتراجع، مكبدّة الموظفين والشركات حول العالم، مليارات الدولارات سنوياً. في المقابل، يرى أخصائيون أنّ الحدّ من هكذا ظاهرة هو أمر ممكن، في حال تعاون كلّ من المرضى وأصحاب العمل لتطبيق الحلول المقترحة، علماً أنّ واحداً من بين كلّ عشر موظفين يعاني اليوم من «الشقيقة».

حجم الخسائر... بين التغيّب و«الحضور المقنّع»

بناءً على ما تقدّم، يُصنّف الصداع النصفي في المرتبة السادسة من بين الأمراض الأكثر «إعاقة» للمريض في العالم. وفي الولايات المتحدة وحدها، تخسر الشركات 157 مليون يوم عملٍ سنوياً بسبب هذا المرض.

وبالرغم من عدم وجود دراسات كثيرة مستجدة بهذا الشأن، فالإحصاءات التي أجريت في السنوات العشرة الأخيرة، تشير إلى أنّ أرباب العمل في الولايات المتحدة يتكبدون، بسبب الصداع النصفي، خسائر بنحو 13 مليار دولار سنوياً. والرقم أعلى في أوروبا، إذ تقدّر الخسائر بأكثر من 32 مليار دولار في السنة. ويرجّح الخبراء أن تكون هذه الأرقام قد سَجلت، أخيراً، ارتفاعاً ملحوظاً.

واللافت بالأمر، أنّ جزءاً بسيطاً من هذه التكاليف مردّه إلى التغيب عن العمل والمطالبة بأخذ فترات غياب قصيرة الأمد، أمّا الغالبية العظمى منها، أي ما يعادل 89%، فهي ناتجة عمّا يُعرف بالـ«حضور المقنّع» (Presenteeism). ونتحدّث عن الحضور المقنع حين يحضر الموظفون إلى العمل بالفعل، إلا أنهم يظهرون إنتاجية أقل بكثير من الأيام العادية.

تجارب تكشف حلولاً قد تجنّبنا الكثير

بعد أن قامت بتحليل 26 دراسة حول الصداع النصفي في أماكن العمل، نشرت المجلة الشهرية «هارفارد بزنس ريفيو» تقريراً أعطت فيه نصائح فعالة للحد من هذه الخسائر على كلا الطرفين. وليست هذه الحلول بتعجيزية، بل تظهر أنّ مجرد نشر الوعي حول هذا المرض قد يجنب المريض الكثير من المعاناة.

وفي إحدى الشركات التي اعتمدت على استراتيجية الـ«تثقيف»، عبر المؤتمرات التثقيفية في العمل والرسائل الإخبارية على شبكة الإنترنت، وتحفيز التواصل مع الزملاء في مكان العمل حول المرض، كانت النتائج غير متوقعة، إذ ظهرت زيادة في الانتاجية بنسبة تتراوح بين 29 و36 في المئة.

أمّا التجربة الثانية، فأظهرت أنّ النجاح في تشخيص المرض، ثمّ اللجوء إلى الأدوية الضرورية، إضافة إلى جلسات المشورة الطبية، التي يوضح الطبيب من خلالها العوامل المتعلقة بنمط الحياة والنظام الغذائي والتي يمكن أن تؤدي إلى حدوث هجمات بالصداع النصفي أو تفاقمها، ومنها الإجهاد والأضواء الساطعة والوضعية غير الملائمة وبعض الروائح والأطعمة وغيرها، سيؤدي إلى زيادة الإنتاجية والتخفيف من النوبات بكشل لافت.

وفي ما يخصّ بيئة العمل، أو بيئة المريض بشكل عام، فتوفير بيئة خالية من القلق، وقائمة على التحفيز وذات تهوئة جيّدة، حيث تتوفر فترات الراحة اللازمة، يحدّ بدوره من الانعكاسات السلبية للصداع النصفي ويزيد الانتاجية، موفراً على المريض وصاحب العمل خسائر هائلة.