في هذا السياق، تُعَدّ صناعة الفضاء إحدى الركائز التي تعتمد عليها الصين لتعزيز هيمنتها العالميّة وتحرير نفسها طاقوياً وتأمين احتياجاتها واحتياجات البشرية لآلاف الأعوام. فما هي خطط الصين، وهل طموحاتها قابلة للتحقيق؟


هيليوم 3
في 3 كانون الثاني المنصرم نجح المسبار الصيني «تشانغ أه-4» في الهبوط على الجانب المظلم من القمر لتكون بذلك الصين الدولة الأولى التي تحطّ على هذا الجزء البعيد. وعلى أهمية هذا الإنجاز من النواحي العلميّة والتكنولوجيّة، نظراً لصعوبة التضاريس على هذا الجانب، إلا أنه على ما تقول الكثير من الأبحاث والدراسات، فإنه يخفي مطامع صينية بالثروات التي يختزنها الوجه الآخر للقمر، وتحديداً غاز هيليوم-3.
يتميّز هذا الغاز بكونه غير سام ولا نشاط إشعاعيّاً له، وهو عنصر خامل لا يحترق ولا ينفجر، إضافة إلى أنه لا يطلق أي ملوثات أو نفايات شعاعية. لكن المشكلة تكمن في أنه نادر الوجود على كوكب الأرض، فيما يتوافر بكثرة على القمر، حيث تشير التقديرات إلى أن الكمية الموجودة منه تراوح ما بين مليون وخمسة ملايين طن. لكن ما هي فائدته تحديداً؟
في الواقع، يمكن أن يشكل هذا الغاز حلّاً لمشكلة الطاقة التي يعاني منها العالم لمدة آلاف السنوات (في حال استخراج غاز هيليوم-3 من القمر ونقله إلى الأرض، هو قادر على تلبية حاجات الكوكب من الطاقة لمدة 10 آلاف سنة، بحسب فريق باحثين من جامعة ويسكونسن)، ذلك أنه حين يسخن حتى معدلات حرارة مرتفعة للغاية، ويتحد مع الديوتيريوم، فإنه قادر على إطلاق كميات هائلة من الطاقة. وحسابياً، إن «كمية لا تتجاوز كيلوغراماً واحداً منه متحدة مع كيلوغرام ونصف كيلوغرام من الديوتيريوم، تنتج 19 ميغاواط من الطاقة. وهذا يعني أن نحو 25 طناً من الهيليوم 3 تكفي لإمداد الولايات المتحدة الأميركية بالطاقة لمدة سنة كاملة»، وفق ما يبيّن بحث منشور في مجلة القافلة التي تصدرها شركة «أرامكو». أما لناحية القيمة المادية، فيقدَّر أن سعر طن واحد منه يبلغ نحو 1.2 مليار دولار أميركي.
إلا أن طبيعة القمر تجري بما لا تشتهي المركبات الفضائية، وما كل ما يتمناه الصينيون وغيرهم يقدرون على إدراكه... أقله حتى الآن. فاستخراج الهيليوم 3، بحسب الدكتورة سيرين نعمة، الاختصاصية في علم الفيزياء الفضائي، «مهمة شاقة تقنياً ومكلفة جداً مادياً، وتتطلب نقل العديد من المعدات إلى القمر، ووجوداً مستداماً عليه. وتقول إن هذا الوجود المستدام سيكون ركيزة الخطط المستقبلية لغزو الفضاء، حيث سيشكل قاعدة متقدمة للبشر ومنصة لهم للوصول إلى المريخ بكلفة أقل، كما ونقل ما قد يستخرجونه من باطن القمر بسهولة أكبر».
ولتبسيط مسار الأمور، تشرح نعمة «أن عملية استخراج الهيليوم 3 تتطلب، إضافة إلى وجود بشري مستدام، حفر التربة القمرية، وهي مهمة ليست بالسهلة، ومن ثم تسخين الصخور القمرية على حرارة 800 درجة مئوية لاستخراج الغازات منها، ومن ثم إجراء عملية تكرير لفصل غاز الهيليوم 3 عن باقي الغازات، وهي عملية دقيقة ومعقدة للغاية، وذلك قبل أن ينقل هذا الغاز إلى الأرض».

الطاقة الشمسية الفضائية
عام 2015 أعربت الصين عن عزمها على بناء محطة للطاقة الشمسية في الفضاء على علوّ 36 ألف كيلومتر عن الأرض، مزودة بألواح شمسية ضخمة لاستقطاب أشعة الشمس، سيُعاد توجيهها نحو الأرض لتوليد الطاقة. ووفقاً لوانغ كزيجي، المصمم الرئيسي لأول صاروخ صيني، وأحد أبرز المدافعين عن مشروع الطاقة الشمسية الفضائية، فإن «كل من سيحصل على مثل هذه التكنولوجيا سيحتل سوق الطاقة في المستقبل».
تقول نعمة «إن أهمية مثل هذا المشروع، إذا ما نُفِّذ بنجاح، تكمن في قدرته على استقطاب أشعة الشمس أو امتصاصها بنسبة 30 إلى 75%، أكثر من تلك التي تصل إلى الأرض. أما سبب الفرق الكبير في نسب امتصاص أشعة الشمس، فيعود إلى أن الغلاف الجوي للأرض يحدّ من فعالية أشعة الشمس التي تصلنا وحدّتها، فيما الألواح الشمسية التي يخطط الصينيون لوضعها في الفضاء ستتمركز خارج الغلاف الجوي للأرض. وتشرح موضحةً أن محطات الطاقة الشمسية الفضائية هذه ستوضع في المدار الثابت حول الأرض، بحيث لا تتأثر بتعاقب الليل والنهار وعوامل الطقس، وهو ما سيسمح بأن تؤمن طاقة مستدامة وثابتة، تُنقَل إلى هوائيات استقبال على الأرض، إما من خلال أشعة ليزر ما تحت الحمراء، أو موجات دقيقة «مايكرويف».
وبحسب المعلومات المتوافرة، سيحتاج العالم بحلول عام 2100 نحو 70 تيراوات من الطاقة، فيما سيكون بمقدار الطاقة الشمسية الفضائية توليد 332 تيراوات من الطاقة. والأهم أن الطاقة التي ستولدها هذه الألواح غير سامة.
أما المخطط الصيني الضخم، وفق ما كشف تقرير لوكالة الفضاء الصينية عام 2010، فيتوقع أن يكتمل بصيغته النهائية والتجارية بحلول عام 2050، على أن تسبق هذا التاريخ مراحل عدة عام 2020، وعام 2025، حيث سيجري توليد 100 كيلوواط من الطاقة الشمسية الفضائية، لكن من مدار الأرض المنخفض الذي يصل مداه إلى ألفي كيلومتر فوق الأرض فقط.

أمن الطاقة الصيني... والعالمي
في ورقة منشورة عام 2016 عن «نشاطات الصين الفضائية»، أشار the Information Office of the Chinese State Council إلى أن «الحكومة الصينية تأخذ صناعة الفضاء باعتبارها جزءاً مهماً من استراتيجية التنمية الشاملة للبلاد»، وأن من أبرز أهداف استكشاف الفضاء، «تلبية متطلبات التنمية الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والأمن القومي والتقدم الاجتماعي». اللافت في هذه الورقة أن للنشاط الصيني الفضائي أبعاداً اقتصادية واجتماعية واضحة، فيما على المقلب الآخر، لا يزال اهتمام وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» في معظمه منصباً على النواحي العلميّة.

يمكن أن يشكل الهيليوم 3 حلّاً لمشكلة الطاقة التي يعاني منها العالم لآلاف السنوات


اهتمام الصين المتزايد بالفضاء يبرز جليّاً من خلال إنفاقها المتزايد على أنشطتها الفضائية، الذي بلغ العام الماضي نحو 8.5 مليارات دولار، وهو رقم تشكك الكثير من المصادر في دقته، على اعتبار أنه أقل بكثير من الميزانية الفعلية المخصصة لمثل هذه النشاطات التي يرون أن الصين تخفيها في ميزانيتها الدفاعية. في المقلب الآخر، وعلى الرغم من أن ميزانية «ناسا» بلغت العام المنصرم 21.5 مليار دولار، فإن حجمها لا يتعدى 0.4% من مجمل الميزانية الفيدرالية للولايات المتحدة الأميركية، بعد أن بلغت ذروتها عام 1965 لتصل إلى نحو 5% من مجمل الميزانية الفيدرالية. أضف إلى ذلك أن منح «ناسا» الموارد المالية التي تحتاجها يخضع للكثير من التجاذبات والحسابات السياسية بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، مقارنةً بسرعة اتخاذ القرارات وتنفيذها في الصين، بحكم هيمنة الحزب الواحد.
فعلياً، يُعَدّ تنقيب الصين على الثروات في القمر، وتحديداً غاز الهيليوم 3، ونيتها بناء محطة للطاقة الشمية الفضائية، حاجة قومية ووطنية حيوية لها، قبل أن يكون منصةً للهيمنة العالمية على مصادر الطاقة، وإن كان كلا التوجهين يتقاطعان، فالأول يشكل معبراً أساسياً نحو تسيّد العالم. فقد أصبحت الصين المستورد الأكبر للنفط في العالم، وتبلغ حاجتها وحدها 12% من الطلب العالمي على الذهب الأسود. وبحسب منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، يتوقع أن يرتفع الطلب من الصين على النفط بنحو 40% خلال العقدين المقبلين، مقارنةً بالمستويات الحالية. أما الأسوأ، فيكمن في أن ثلاثة أرباع الطاقة التي تستخدمها الصين حالياً مصدرها الفحم، وهو ما يسبب مشاكل بيئية وصحية هائلة، خاصة أن أكثر من 4 آلاف شخص يموتون يومياً بسبب تلوث الهواء.
تفاقم الجيوسياسة من مشاكل الصين في مجال الطاقة، لكون 4/5 من مستورداتها من النفط والغاز تمرّ عبر مضيق ملقا الذي يصفه بعض الخبراء بالعقدة التي تؤرق أمن الطاقة الصيني، وهو ما يضعها تحت رحمة الولايات المتحدة الأميركية، لقدرتها على إغلاقه إن أرادت بحكم تفوقها البحري.
من هنا، إن مساعي الصين للبحث عن حلول بديلة للطاقة في الفضاء، لن تؤدي فقط إلى تحريرها في مجال الطاقة، بل ستجعلها اللاعب الأوحد والمهيمن على قطاع الطاقة في العالم، إلى حين نجاح قوة آخرى في القيام بخطوات مماثلة.