«أنا سائح فرنسي، لا أفهم بالتحديد ما يحصل. إنه أمر مجنون! هذه المرة الأولى لنا في لبنان، وكل ما فهمناه أن مجموعة من الشبان حاولت إطلاق الرصاص على رجل سياسي. الأمر مفاجئ جداً لأننا لم نتوقع أن نرى هذا العنف»! هكذا صرّح السائح لإحدى القنوات التلفزيونية عندما كان عالقاً في زحمة السير على أوتوستراد خلدة أثناء إغلاق الطرق الذي رافق الأحداث الأخيرة في الجبل. تحوّل الرجل المصدوم إلى نجم مواقع التواصل الاجتماعي ومادةً للتندر على الموسم السياحي. لكن ما يجهله كثيرون هو أن التفلت الأمني والفوضى التي نعيشها قد يكونان عامل جذب لسيّاح حول العالم ممن يبحثون عن تجربة استثنائية!

الضحية الثابتة للأزمات السياسية والأمنية والمعيشية التي يشهدها لبنان هي السياحة. في كل عام، تتوالى مؤتمرات التسويق للبلد كوجهة سياحية عالمية، وتعلو المناشدات للمسؤولين بإمرار الموسم على خير (كما لو أن تناطحهم في بقية المواسم أقل ضرراً). إلا أن حدثاً أمنياً واحداً، بغضّ النظر عن درجة خطورته، كفيل بإنهاء الموسم قبل أن يبدأ. عدا عن أزمات لا تشجع أحداً على القدوم، ليس أقلها النفايات المتراكمة وروائحها الكفيلة بتهشيل الذباب قبل السيّاح. وبما أنه لا حلول تلوح في الأفق لكل هذه المشاكل والأزمات، قد يكون في الإمكان الاستثمار في هذه الأزمات، سياحياً، طالما أنها باقية!

سياحة خطرة
موقع warzonetours، أحد أبرز مواقع السفريات المتخصصة في ما يعرف بـ«سياحة الحرب» أو «سياحة المخاطر»، يسوّق بيروت للسيّاح على الشكل الآتي: «إذا كانت فكرتك عن قضاء الوقت المناسب تقوم على القيادة خلال تجمّع لحزب الله ومن ثم الذهاب لتناول بعض السوشي، فإن بيروت هي حتماً الوجهة التي يجب أن تقصدها على المتوسط. مبانٍ مدمرة من سيارات مفخخة تصطفّ على طول الشاطئ الجميل، وتجاور الفنادق الجميلة والمطاعم الرائعة. المدينة مقسّمة بين مجموعاتها المسيطرة، ومع ذلك تجمعهم جميعاً حياتها الليلية المزدهرة. أحزاب سياسية مصنفة كجماعات إرهابية من قبل الدول الغربية نشطة في المدينة وظاهرة للعيان من خلال التجمعات الدورية والتظاهرات التي تنظمها في هذه الدولة المتوسطية الصغيرة. المؤامرات والتشويق والجمال الخطير هي السمات المميزة لجولة سياحية في بيروت»!
إذا ما وضعنا جانباً توصيف «الجماعات الإرهابية»، سيكون من الصعب المجادلة في دقة ما ذكره الموقع من صورة واقعية من دون بهرجة ولا أقنعة. واللافت أن الشركة التي تنظم رحلات من هذا النوع إلى أكثر من 50 بلداً ومدينة، اختارت أن تعرض على صفحتها الرئيسية عيّنة من 4 مواقع تؤمن خدماتها فيها. وهي بالترتيب الذي وضعت فيه: العراق وبيروت والمكسيك وأفريقيا (مع غرابة المعيار من حيث انتقاء قارة وبلدين ومدينة).

إحدى ركائز هذه السياحة ثقافية، وتستند إلى رغبة السيّاح في اكتشاف الحقائق بأنفسهم


الرحلة إلى بغداد، مثلاً، مع هذه الشركة كانت قبل 6 سنوات تقريباً تكلف السائح حوالى 40 ألف دولار بحسب جريدة «فايننشال تايمز»! ووفقاً لأحد مؤسسي الشركة، فإن أغلب عملائها هم من الميسورين ورجال الأعمال الذين يتقاضون ما يزيد على 100 ألف دولار سنوياً. وتنسب الصحيفة الى المصدر أن هدف الشركة هو «أن يشعر العملاء كأنهم على حافة موقف خطير. نحن ننظم الرحلة لتكون آمنة بشكل كامل، ونعتمد على فريق عمل من رجال أمن وعسكريين سابقين، وبالتالي ندرك سلفاً أن المقصد ليس بالخطورة التي يتصورها البعض والتي قد تكون في الكثير من الأحيان مضخمة إعلامياً. لكن هذا لا يلغي أن هذه الأماكن لا تخلو من خطر، ومن أحداث مثيرة قد تطرأ فجأة. وهذا بالتحديد ما يبحث عنه بعض السيّاح».

كسر صورة نمطية
يتعامل بعض الباحثين مع سياحة الحرب على أنها مفهوم قائم بذاته، فيما يشملها البعض الآخر بمفهوم أوسع كسياحة المغامرات أو المخاطر أو السياحة السوداء. وفي الواقع، فإن هذه السياحة وإن لم تكن جديدة إلا أنها بدأت تشهد نمواً لافتاً في الأعوام الأخيرة، وقدر حجمها بمعناه الأشمل بأكثر من 263 مليار دولار عام 2013 وفق دراسة لجامعة جورج واشنطن. إذ إن إحدى ركائز هذه السياحة ثقافية، وتستند إلى رغبة السيّاح في اكتشاف الحقائق بأنفسهم والتعمق في اختبار الجوانب التاريخية المظلمة لبعض الدول وكيفية نهوضها منها. المعتقلات النازية في أوروبا، مثلاً، تحولت منذ زمن إلى مواقع سياحية يكتشف فيها الزوّار فظاعات الحرب العالمية الثانية، وتستثمرها إسرائيل لكسب العطف والتأييد وتغطية أفعالها الجرميّة. وبالتالي، قد يكون في إمكان لبنان، مثلاً، الاستثمار في المعتقلات الإسرائيلية في جنوب لبنان كجزء من سياحة الحرب التي يمكن الاستفادة منها سياسياً، علماً بأن لبنان ليس غريباً على هواة هذه السياحة. فالبحث على موقع غوغل يبيّن أن هذا البلد يحضر في كثير من المواقع والصفحات التي تتناول سياحة الحرب، وبعضها كتبها سيّاح زاروا ونقلوا تجربتهم وكتبوا عن تفاجؤهم بالأمان والاستقرار، فيما كانوا يتوقعون واقعاً مختلفاً كلياً حيث يتجول الأشرار ويزرعون الرعب في نفوس السكان!