تعدّ «المسؤولية الاجتماعيّة» للشركات مفهوماً حديثاً أقله من حيث جانبه المؤسساتي، وهي وإن كانت تلقى رواجاً متزايداً على مستوى العالم في السنوات العشر الاخيرة إلا أنها لا تزال بشكل عام تتخذ منحى معنوياً ورومانطيقياً إن صح القول أكثر منه تطبيقياً. حتى الآن تعريفات المفهوم متعددة رغم أن عناوينه العريضة واضحة، والكثير من الأفراد كما الشركات تخلط بينه وبين مفهومي العمل الخيري أو العلاقات العامة اللذين يتقاطعان معه لكنهما لا يعبران عن جوهر الرسالة التي يحملها والتي تعود جذورها إلى الثورة الصناعيّة وتطور العمل النقابي وكفاح النقابات العمّالية والجمعيّات المدنية وصولاً إلى العولمة وتطور أخلاقيات المستهلك...


البداية كانت مع تصاعد العمل النقابي، وهو مسار بدأ منذ الثورة الصناعيّة

في المطلق، فإن «المسؤولية الاجتماعية» للشركات تعني بأن دورها يتعدى البعد الاقتصادي البحت وتحقيق الأرباح، وبأن عليها واجباً أخلاقياً تجاه المجتمعات التي تنشط فيها من خلال العمل على تطويرها وتحسين نوعية وظروف حياة سكانها. الوصول إلى هذه الخلاصة لم يكن سهلاً والطريق التي قادت إليه كانت محفوفةً بالكثير من المطبات والألغام والنضال المتواصل، خصوصاً أن الفلسفة الاقتصادية الكلاسيكية التي كانت مهيمنة حتى منتصف القرن الماضي كانت ترى، بحسب أحد أبرز منظّريها ورموزها ميلتون فريدمان، أن «مسؤولية الشركة تتحقق من خلال سداد الأجور للعاملين مقابل العمل الذي يقومون به، وتقديم السلع والخدمات للمستهلكين مقابل ما يدفعونه من أموال، وسداد الضرائب للحكومات التي تقوم بتوفير الخدمات العامة للمواطنين، واحترام سيادة القانون عن طريق احترام العقود المبرمة. وأن تبنّي الشركة لفلسفة المسؤولية الاجتماعية من شأنه أن يقلل أرباحها ويزيد تكاليف العمل».
إلا أن عوامل عدة ساهمت في تليين هذا الموقف تدريجياً إلى الحد الذي بات يعد فيه غير مقبول أخلاقياً في مجتمعنا الاستهلاكي الحالي.

نضال مستمر
البداية كانت مع تصاعد العمل النقابي، وهو مسار بدأ منذ الثورة الصناعيّة وما رافقها من استغلال للعمال وظروف العمل المرهقة وغير الانسانية التي كانت تفرض عليهم. وحتى منتصف القرن الماضي، كانت معركة الشركات منحصرة في أغلبها ضد العمال، إلى أن بدأت المنظمات المدنيّة وجماعات الضغط تنشط، وتحديداً في الولايات المتحدة وأوروبا والتي راحت تراقب مدى احترام الشركات للمعايير البيئية ولحقوق الانسان والأقليات والتمييز ضد النساء في العمل وغيرها، وهو ما زاد من الضغوط على الشركات التي لم يعد بإمكانها غض النظر عن هذه الملفات التي باتت تحظى باهتمام الرأي العام.
ومع بروز العولمة وسعي الشركات المتعددة الجنسيات إلى الاستفادة من العمالة الرخيصة في الدول النامية، حاولت هذه المؤسسات العابرة للقارات تلميع صورتها وتحسين سلوكياتها للظهور بمظهر حسن وابعاد صبغة الاستعمار الاقتصادي التي نسبت إليها. بدورها ساهمت الثورة التكنولوجية وتزايد دور الآلة في عملية التصنيع وما رافقها من تهميش تدريجي لليد العاملة البشرية في زيادة الاهتمام بقضية رأس المال البشري ومطالبة الشركات بأنسنة عملها...

القوة للمستهلكين
أدى هذا السياق التاريخي إلى تطوير وعي المستهلكين حول العالم بشكل تدريجي وتبدل نظرتهم إلى دور الشركات من مجرد مؤسسات مهمتها تقديم منتجات وخدمات جيدة إلى عنصر فاعل في المجتمع عليها واجبات تتعدى المهام الاقتصادية والانتاجية والخدماتية البحتة. ولعبت وسائل الإعلام وبخاصة وسائل التواصل الاجتماعي دوراً أساسياً في تعزيز موقف المستهلكين تجاه الشركات وانتقالهم من موقف المتلقي السلبي لما يعرض عليهم إلى عنصر فاعل ومتدخل في عملها وسلوكياتها، بحيث باتوا يقدّمون الجوانب الأخلاقية للشركة على الجوانب التجارية والخدماتية الصرف. وبالتالي لم يعد المستهلك يسأل نفسه إن كان المنتج جيداً بمعنى جودة المواد المستخدمة في تصنيعه، بل أصبح يبحث عما إذا كانت الشركات قد احترمت المعايير البيئية والانسانية عند تصنيع هذا المنتج.
أصبحت الشركات ترتاب من تغريدة على تويتر أو من تقييم سلبي على صفحتها على الفيسبوك


هكذا فإن الشركات التي كانت في ما مضى لا تعير حقوق عمالها أي اعتبار، ولا تهتم بانعكاس ممارساتها على البيئة والمجتمع، أصبحت ترتاب من تغريدة على تويتر أو من تقييم سلبي على صفحتها على الفيسبوك. انتقلنا من تحسين الأجور إلى الحديث عن مدى سعادة العمال في الشركة، ومن ساعات عمل مرهقة في ظروف شاقة إلى البحث عن كيفية جعل بيئة العمل أكثر راحة للموظفين. وعمدت بعض كبريات الشركات حول العالم، كغوغل على سبيل المثال، إلى تخصيص أماكن للقيلولة ضمن الشركة أو خلق مساحات للعب واللهو للموظفين.
وصل الحال بالمستهلكين (53% حول العالم بحسب دراسة لشركة Edelman) إلى اعتبار أن بإمكان الشركات أن تحل المشاكل الاجتماعيّة أكثر من الحكومات، فيما بات يعتبر 88% من المستهلكين في الشرق الأوسط وأفريقيا و94% في أميركا الجنوبية و83% في آسيا و69% في أميركا الشماليّة و 68% في أوروبا أن من المهم جداً بالنسبة لهم أن تضع الشركات برامج تعنى بتحسين البيئة كما يظهر تقرير حديث لشركة Nielsen.

الشركات... رابحة
قد يبدو أن الشركات خسرت بطريقة أو بأخرى مما حصل إلا أن العكس هو الصحيح. فالعوائد التي استفادت منها الشركات التي أعلنت التزامها بمفهوم المسؤولية الاجتماعيّة وسعت لتطبيقه بشكل علمي وفق استراتيجيات واضحة وتقارير دقيقة تعد أكبر من النفقات التي تتكبدها على أكثر من صعيد.
تظهر الدراسات الحديثة أن مستهلكي اليوم يفضلون بنسبتهم الأغلب التعامل مع شركات مسؤولة اجتماعياً ويقاطعون تلك غير المسؤولة منها. وبالتالي وبما أن تطبيق المفهوم لا يزال محدوداً على مستوى العالم فإن الشركات الملتزمة اجتماعياً ستكسب عملاء إضافيين مما يعزز من مبيعاتها وأرباحها.
كذلك فإن الأنشطة والمبادرات التي تقوم بها الشركات في إطار استرتيجياتها للمسؤولية الاجتماعيّة من شأنها أن تسوّق للشركة وترفع من رصيدها عند المواطنين وهو ما سيوفر عليها تكبد نفقات باهظة لتحسين صورتها لدى الجمهور. أضف إلى ذلك أن أغلب المستهلكين اليوم عبّروا عن حماستهم للحديث عن الشركة بشكل إيجابي في العلن وهو ما يعد خدمة إعلانية مجانية للشركة.
أيضاً، فإن المسؤولية الاجتماعية وبحكم أنها تطال أيضاً بيئة العمل الداخلية ضمن الشركة، فمن شأنها أن تزيد من سعادة الموظفين ومن شعورهم بأنهم يقومون بعمل نبيل وذي معنى تطال آثاره المجتمع بأكمله، وهو ما يرفع من إنتاجيتهم وحماستهم وينعكس حكماً على عمل الشركة...
إضافة إلى ما سبق فإن الشركات الملتزمة اجتماعياً ستستفيد من استثمارات أكبر . إذ تفيد التقارير الصادرة مؤخراً أن 80% من المستثمرين الرئيسيين في العالم يولون القضايا البيئية والاجتماعيّة أهمية كبيرة قبل إقدامهم على الاستثمار.