في ظل تسجيل معدلات البطالة في لبنان نسباً مرعبة وتخطيها 36% في الإجمال و42% في صفوف الفئة العمرية 18 – 24 عاماً وفق دراسة حديثة أجرتها جمعية «مبادرات وقرارات»، كما والأرقام المقلقة عن أعداد اللبنانيين الذين غادروا لبنان ولم يعودوا العام الماضي والتي بلغت 33129 شخصاً بحسب «الدولية للمعلومات»، أضف إليها المؤسسات التي أغلقت أبوابها خلال الأشهر المنصرمة ومزاحمة اليد العاملة الأجنبية الرخيصة للبنانيين، أصبحت ريادة الأعمال إحدى الحلول التي يلجأ إليها الكثير من الشباب ممن يملكون أفكاراً لامعة وخلاقة. المشجع في الموضوع هو أن التمويل بات متوافراً كما والخبرة والنصائح التي تقدمها أعداد متزايدة من الشركات والمنظمات لكل طامح بتأسيس شركة ناشئة وإطلاق مشروعه الخاص .

أظهرت دراسة بعنوان Global Entrepreneurship Monitor للعام 2018/2019 تتناول مدى جاذبية البيئة الوطنية لريادة الأعمال أن لبنان حلّ في المرتبة 35 من أصل 54 دولة حول العالم شملتها الدراسة وفي المرتبة 5 من أصل 12 دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. النظرة المجردّة للترتيب قد تظهر أن لبنان متخلف عن بقية الدول في مجال ريادة الأعمال، لكن التدقيق في عدد من المؤشرات تظهر الكثير من الإيجابيات التي يمكن التأسيس عليها لتطوير العمل في هذا القطاع. ومع هذا، فإن لبنان سبق دولاً كروسيا التي حلّت في المرتبة 37 وإيطاليا التي حصدت المرتبة 40 والسعودية التي كان المركز 41 من نصيبها واليونان في المركز 42 والبرازيل التي حلّت في المركز 48.


اللافت كان حلول قطر في المرتبة الأولى عالمياً والإمارات العربية المتحدة في المركز السابع فيما سبقت مصر لبنان بمركز واحد وحلّت في المركز 34. وعلى مستوى الإقليم حلّت «إسرائيل» وتركيا بكل ما تختزناه من قدرات تقنية واقتصادية وبشرية في المرتبتين 28 و 29 على التوالي. وإن كان من فائدة في هذه المعطيات هي أنها تبيّن بوضوح أن لبنان قادر على مقارعة ومنافسة دول تفوقه من حيث حجمها الديموغرافي وإمكانياتها المادية والتكنولوجية.

إقبال كبير والإناث فاعلات
تتناول الدراسة في أحد الأقسام ما تسميه بـ «مجموع النشاط الريادي في مرحلة مبكرة» والذي تعرفه بالنشاط المنظم الذي يركز على الفترة التي تسبق والتي تلي مباشرةً انطلاق العمل الفعلي للشركة، أي المرحلة التي يكون فيها رائد الأعمال مشاركاً بنشاط في إنشاء العمل ومن ثم ملكية العمل وإدارته لمدة 42 شهراً. تظهر البيانات أن دول أميركا الشمالية وأوروبا سجلت نسباً منخفضة لناحية ريادة الأعمال وهو ما تفسره الدراسة بتوافر فرص عمل في هذه الأسواق قد تلغي حاجة البعض للتفكير بإطلاق عمل خاص بهم، إضافة إلى مستوى المنافسة العالي الذي قد يحبط البعض ويمنعهم من المجازفة. في هذه النقطة بالتحديد يحتل لبنان المرتبة الثالثة وهو ما يظهر مدى إقبال اللبنانيين على ريادة الأعمال والذي لا شك حفزته معدلات البطالة وغياب الاستقرار الوظيفي ما دفع بالكثيرين للبحث عن خيارات بديلة.
إحدى المؤشرات البارزة أيضاً تكمن في حصة الإناث من «مجموع النشاط الريادي في مرحلة مبكرة» في لبنان والتي تبيّن أن الإناث في لبنان منخرطات في قطاع ريادة الأعمال بشكل واسع وإن كانت هذه النسبة لا تزال أقل بشكل كبير من نسب الذكور. تصل نسبة الإناث من «مجموع النشاط الريادي في مرحلة مبكرة» في لبنان إلى حوالى 18%، وهي نسبة مرتفعة جداً إذا ما قورنت بنسب مشاركة النساء في دول كالسويد وألمانيا وإيطاليا وسويسرا حيث تقل عن 5% أو في فرنسا والمملكة المتحدة حيث تلامس النسبة حدود 5%.

الأول عالمياً
إلا أن أكثر المعطيات أهمية في ما يختص بلبنان تكمن في قدرة روّاد الأعمال اللبنانيين على تسويق منتجاتهم للخارج وجذب عملاء أجانب. في هذا الإطار حلّ لبنان في المرتبة الأولى عالمياً من حيث «عالمية» روّاد أعماله. وتعرّف الدراسة روّاد الأعمال العالميين على أنهم أولئك الذين تذهب 25% أو أكثر من مبيعاتهم إلى مستهلكين من خارج دولتهم. استناداً إلى هذا التعريف فإن أكثر من نصف روّاد الأعمال اللبنانيين يصنفون وفق الدراسة على أنهم «عالميون» وهي نسبة مرتفعة جداً يتفوق فيها لبنان على كافة الدول التي شملتها الدراسة بأشواط. (رسم بياني)

استدامة وتفاؤل
نقطة إضافية تسجّل للبنان ألا وهي تطور الشركة الناشئة لتصبح «شركة ناضجة» بحسب وصف الدراسة، والنضج هنا هو استمرار الشركة لأكثر من 42 شهراً. سجّل لبنان في هذا المجال أيضاً تقدماً على سواه من الدول وهو ما يؤشر إلى موضوع فائق الأهمية وهو أن هنالك جهداً كبيراً يبذل لإنجاح الشركات الناشئة في لبنان ومنحها الأدوات اللازمة للنمو والتوسع، وبالتالي ليست ملجأ لفاقدي الأمل أو مجرد محاولات يائسة ناجمة عن الظروف المعيشية والاقتصادية التي تشهدها البلاد. وتظهر الدراسة أن الغالبية الكاسحة من الشركات الناشئة في لبنان تتحول إلى شركات «ناضجة».
وعلى رغم الظروف الداخلية التي يشهدها لبنان والتي قد لا تكون مؤاتية لخوض غمار الأعمال أو قد تدفع بالكثيرين لتأجيل إطلاق بعض المشاريع ريثما يتجلى المستقبل بشكل أوضح فإن الخوف من الفشل عند إطلاق شركة ناشئة سجل في لبنان واحدة من أدنى المستويات وهو ربما ما يفسر صمود هذا البلد طوال كل هذه السنوات على رغم جميع المحن التي ألمّت به، حيث بقي حياً ومحكوماً ...بتفاؤل أبنائه.

* [email protected]