شهد القطاع المصرفيّ اللبنانيّ في الأعوام الأخيرة العديد من عمليات الدمج بين عدد من المصارف، كان من أبرزها استحواذ بنك «بيبلوس» على بنك «فرعون وشيحا» أحد أقدم وأعرق المصارف اللبنانية، كذلك استحواذ بنك لبنان والمهجر على موجودات ومطلوبات بنك «HSBC للشرق الأوسط المحدود» في لبنان، واستحواذ سيدروس بنك على ستاندرد تشارترد بنك في لبنان، وفرنسبنك على البنك الأهلي الدولي... وغيرها.

وعلى الرغم من أنّ لكلّ عملية دمج أسبابها وحيثياتها الخاصة فإنّ جميعها يتوافق مع المنحى العام الذي شجعه مصرف لبنان، والذي أتى القانون رقم 192 الصادر عام 1993 لقوننته وتنظيمه، وخاصة بعد اتفاق الطائف وعودة الاستقرار، حين كان عدد المصارف كبيراً جداً ولا يتلاءم مع حجم السوق ومتطلّباته. في مرحلة لاحقة ساهمت عمليات الدمج في زيادة صلابة القطاع المصرفي، ورفع قدراته التنافسية وتعزيز دوره الإقليمي.

المسألة أكثر من مجرّد ترتيبات إدارية ونقل موظفين وتغيير اسم وخلق علامة تجارية جديدة

عمليات الدمج ليست بالسهلة، وتتضمّن العديد من التعقيدات القانونية والإدارية وتفترض الغوص في أدق وأبسط التفاصيل. لكنّ واحداً من أبرز التحدّيات التي ترافق عمليات كهذه هو كيفية دمج هويتين مختلفتين.
نعم المسألة أكثر من مجرّد ترتيبات إدارية ونقل موظفين وتغيير اسم وخلق علامة تجارية جديدة في بعض الأحيان. وجود هوية خاصة بكلّ مصرف حاجة ماسّة وليست مجرّد رفاهية. فالعملاء يحتاجون لمعرفة مع من يتعاملون، وما هي المبادئ والقيم التي تسيّر عمل المؤسّسة المؤتَمنة على أموالهم، وكذلك بالنسبة إلى الموظفين إذ تزيد إنتاجيتهم وفاعليتهم حين يوجههم هدف واضح، ويشعرون بأنهم يعملون للوصول لغاية معيّنة. من هنا صعوبة عمليات الدمج، فأيّ هوية نغلّب؟ هل ندمج الهويتين أو نأخذ من كلّ هوية ما هو أنسب؟ أو أيجدر خلق هوية جديدة؟

الحفاظ على الهويتين
الطريقة التقليدية تكمن في الحفاظ على هوية العلامتين بعد الدمج. هذا الخيار لا يعني أن كلاً من العلامتين سيعمل بشكل مستقل عن الآخر، بل إن السوق يستمر في رؤية كلا الاسمين ككيانين منفصلين. بالمختصر هو أشبه بمقولة «روح واحدة في جسدين»، وهي تُعتمد في الأغلب حين يكون لكلّ شركة هوية متميزة عن الأخرى إلى حدّ كبير، وكذلك للحفاظ على فخر كلّ شركة وموظّفيها وعملائها بأنّ مكانتهم ليست أقل من غيرهم.
الانصهار
تلجأ الشركات إلى خيار الانصهار حين تكون لها رؤى متشابهة، وهو حلّ شائع في عمليات الدمج. في هذه الحالة لا يقتصر الأمر على صهر الشعارين الخاصَّين بكلّ شركة بل أيضاً بصهر الاسمين. على سبيل المثال عندما دُمجت شركتا Conoco وPhillips عام 2002 اعتمدت التسمية التالية ConocoPhillips.

غلبة الأقوى
كما تفيد التسمية فالحلّ في هذا السيناريو يقضي باعتماد وتفضيل علامة تجارية على أخرى سواء بسبب إمكانياتها المالية الأكبر أو سعر أسهمها الأعلى أو قاعدة زبائنها الأوسع. لهذا الطرح حسناته وسيئاته. من ناحية، فإنّه يظهر أن هنالك رابحاً وخاسراً، كما أنه قد يزعزع من ثقة موظفي العلامة الأضعف الذين قد يشعرون بأنهم أدنى مرتبة من نظرائهم في العلامة الأكبر. لكن ومن جهة أخرى فإنّ خطوة كهذه يمكن أن تمنح موظفي العلامة التي ستختفي شعوراً بأنّ فرصهم الوظيفية ارتفعت بحكم أنهم باتوا يعملون لصالح شركة أكبر. كذلك في ما يتعلق بالزبائن والعملاء، الذين قد يرتابون من هذه الخطوة خاصة في المجال المصرفي. فمن المعروف أن تعاطي العملاء مع المصرف فيه الكثير من البعد العاطفي والشخصي، وأيّ تغيير بهذا الحجم قد يدفع العملاء إلى التساؤل عن طبيعة العلاقة التي بنوها لسنوات، وعن كيفية تعاطي الإدارة الجديدة معهم... وفي المقابل فإن ذلك قد يمنحهم إحساساً بالاطمئنان لكونهم باتوا عملاء لشركة أكبر وأكثر متانة.

علامة جديدة
أحد الخيارات الأكثر جذرية بعد عمليات الدمج يكون باللجوء إلى إنشاء كيان جديد تماماً، وهي خطوة تُعتمد عندما يكون الهدف هو القيام بتغييرات شاملة وهو مؤشّر لرغبة كلا الكيانين باعتماد نقلة في نمط أعمالهما والخدمات والمنتجات التي يقدمانها. ورغم المحاذير التي قد ترافق خطوة كهذه من حيث إعادة تسويق العلامة الجديدة، فإنها ومن ناحية أخرى قد تشكّل فرصة لولوج أسواق جديدة وعملاء جدد وتخطّي بعض العقبات التي قد تكون واجهتها العلامتان التجاريتان للشركتين المدمجتين.