مع إغلاق أي مصرف لفرع من فروعه أو أي عملية صرف لموظفين، يعود الحديث عن نهاية الفروع وانتفاء الحاجة إليها في ظل الخيارات التقنية البديلة المتوافرة والتي باتت تؤمن الكثير من متطلبات العملاء المصرفية.

إنما وعلى رغم النمو الملحوظ في أعداد العملاء الذين باتوا يلجأون إلى الإنترنت وتطبيقات المصارف على الهواتف الخلوية وتحديداً جيل الشباب، إلا أن الفروع لا تزال حاضرة وبقوة ولا معطيات تشي في المستقبل القريب والبعيد بقرب نهايتها. جل ما في الأمر، أقله وفق المعطيات الحالية أن الفروع تتبدل ولا تتبخر. ستبقى حاضرة ولكن ضمن إطار متجدد ودور وظيفي مختلف.
في حال حصرنا الموضوع بالنواحي التكنولوجية والمالية فقط، فإن الحكم بموت الفروع سيكون حتمياً. فما الحاجة إلى فرع وموظفين ما دامت التقنيات الحديثة تقوم بمهماته، بكلفة أقل وتوقيت أسرع ومن دون جهد وأي عناء وفي أي مكان وزمان؟ كل المعطيات السابقة تغلّب نظرية نهاية الفروع. لكن يبقى هنالك عامل محوري لا يمكن تخطيه يمنح الفروع الأمل وهو العامل البشري والإنساني. وهنا المعضلة الكبيرة. ففي حين وجدت التقنيات المتطورة لكي تريح الإنسان، فإنها في الوقت عينه وخاصة في القطاع المصرفي لم تنجح في إلغاء الحاجة إلى العامل البشري.

فروع إضافية
يقال إن الخبر السيئ يصل بسرعة أكثر من الخبر المفرح، وهذا ربما ما يشرح الصورة السوداوية التي تحيط بمستقبل الفروع. يطغى خبر إغلاق فرع على ما عداه. لكن الحقيقة أنه على الرغم من إغلاق العديد من المصارف لفروع لها حول العالم، إلا أن هنالك مصارف أخرى لا تزال تستثمر وبشكل كبير فيها كما هي الحال في لبنان، حيث لا تزال المصارف مؤمنة بأهمية الفروع وتفتتح فروعاً إضافية لها، على الرغم من مساحة لبنان.
الأمر لا يقتصر على لبنان. لا ينفع التذرع بأن الحال في البلدان الأكثر تقدماً مختلفة. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، وهي مركز الثقل المالي العالمي، قرر كل من JPMorgan Chase المصرف الأكبر فيها افتتاح 400 فرع جديد بحلول عام 2023. الحال عينها تنطبق على Bank of America Corp الذي سيفتتح أكثر من 500 فرع له في الولايات المتحدة خلال الأعوام الأربعة القادمة. لا يتوقف الأمر هنا. فـ Bank of America Corp قرر أيضاً أن يجدد ويطور 1500 من فروعه الـ 4500، سواء من حيث التصميم الخارجي والهندسة الداخلية والمفروشات، وطبعاً الخدمات والتكنولوجيا.

الفروع تتبدل ولا تتبخر. ستبقى حاضرة، ولكن في إطار متجدد ودور وظيفي مختلف


بطبيعة الحال، لن تخوض هكذا مصارف معركة خاسرة. لو لم تكن الفروع مربحة ومهمة لما كانت هذه المصارف لتفكر ولو لحظة في الاستثمار في فرع واحد. فبحسب داتا هذين المصرفين العملاقين، فإن جيل الألفية يزور الفروع بالنسبة عينها كما أي عميل آخر، كما أن 85% إلى 90% من الحسابات المصرفية لديهما لا تزال تفتح في الفروع. حتى شركة كشركة "أمازون" العملاقة والمختصة بالتجارة الإلكترونية تختبر حالياً إمكانية افتتاح متجر فعلي لها في مدينة سياتل الأميركية.

مساحة إلتقاء
الذكاء ليس في تهميش الإنسان لمصلحة الآلة. الحدود الفاصلة بين الاثنين تبقى واضحة مهما كانت منافع الآلة. فهي أولاً وأخيراً صنيعة البشر. العبرة تكمن في كيفية خلق مساحة التقاء بين التقني والبشري، في جعلهما يتكاملان. فروع الغد ستتضمن الكثير من الخدمات التكنولوجية والتقنيات الحديثة التي تتيح للعميل إتمام أي معاملة بدون أي مساعدة. لكن ماذا لو احتاج أحد للمساعدة؟ هل يقال له "دبّر أمرك، واخدم نفسك بنفسك؟". نعم، بات بإمكان العملاء التواصل مع روبوتات في بعض المصارف. لكن، ماذا لو لم يفهم العميل على الروبوت؟ ماذا لو أراد أن يغوص في التفاصيل؟ فهل الروبوت قادر على التواصل والتفاعل كما الإنسان؟ المصارف تدرك هذه المعطيات، لذلك تسعى إلى التوفيق بين الاثنين.
قد يقل الاتكال على الموظفين، لكنهم لن يرحلوا، فمهماتهم ستتبدل بكل بساطة. التوقعات في هذا المجال تفيد بأن التقسيم الذي اعتدناه في المصارف لجهة أن لكل موظف مهمة محددة ملزم بها لن تكون عملية في المستقبل، وستستبدل بعمل جماعي حيث جميع موظفي الفرع ملمون بجميع الأمور ويقومون بالمهمات عينها. ففي حال كان موظفاً مشغولاً، لا داعي للانتظار .فالجميع قادر على القيام بالمهمة عينها.