فوضى واستثمار؟ قد يخيل للبعض أنها نكتة سمجة أو محاولة انتحار اقتصادي، لكن حسّ المغامرة الذي يتمتع به اللبناني يدفعه للاستثمار حيث لا يجرؤ الآخرون.

طبعاً للبنانيين نجاحات ضخمة يضرب فيها المثل في الدول الأكثر تشدداً من النواحي القانونية والنظامية، ولكن يبقى للفوضى نكهة خاصة عند المستثمر اللبناني. فأين يستثمر اللبنانيون؟ وما هي الدول التي تجذبهم ولماذا؟

وتبقى...أفريقيا

في الوقت الحاضر تتجه معظم الاستثمارات اللبنانية نحو القارة الأفريقية بحسب عميد الصناعيين اللبنانيين جاك صراف.
فاللبناني وفقاً لصراف يتوجه الى الدول حيث يشعر أن له قيمة مضافة في الاستثمار، والقيمة المضافة ترتكز أولاً إلى وجود البيئة الحاضنة التي تساعده كلبناني في التعامل والتعاون معها.

والبيئة الحاضنة تعتمد على وجود لبنانيين إجمالاً أو من المحيط الجغرافي الأصغر كالمحافظة، القضاء أو القرية. كما تعتمد البيئة الحاضنة على وجود مصارف لبنانية أو وجود شركات لبنانية في البلد المعني، إضافة الى وجود علاقات تجارية بين لبنان والدولة التي يرغب بالاستثمار فيها، وعلى مدى القدرة على الدخول الى السوق والمنافسة.
ولذلك يختار اللبناني اليوم الاستثمار في أفريقيا بحسب عميد الصناعيين، فهو إضافة إلى ما ذكر قادر على مواجهة المخاطر التي قد تعترضه في القارة السمراء، وعلى أن يتأقلم معها ويتغلب عليها بفضل حنكته وشبكة علاقاته الواسعة مع مراكز القرار والمسؤولين في الدول الأفريقية.
واللبناني يشكل صلة الوصل والوسيط الذي لا غنى عنه بالنسبة للأميركيين والفرنسيين الذين يلجأون في كثير من الأحيان الى اللبناني لمساعدته في دخول الأسواق الأفريقية.
وصراف واضح في موقفه ولا يساوم عليه، فاللبناني يتميز بنجاحه الفوضوي ويعمل في الفوضى.
يشارك الخبير المالي وليد أبو سليمان جاك صراف الرأي في ما يختص بأفريقيا وبأنها الجاذب الأول للمستثمرين اللبنانيين.
ويقول أبو سليمان إن اللبناني يتجه خصوصاً إلى دول شرق أفريقيا ككينيا وموزمبيق ودول غرب أفريقيا كنيجيريا والكونغو. وأبرز القطاعات التي يستثمر فيها اللبنانيون في أفريقيا هي قطاعات الاتصالات والمعلوماتية والبناء والتطوير العقاري.
والذي يجذب اللبنانيين الى أفريقيا ويسمح لهم بالتفوق على سواهم بالنسبة لأبو سليمان هو غياب الوجود الكبير للدول ذات الاقتصادات الكبرى بشكل فعال في أفريقيا بالحجم الذي توجد فيه في غير مناطق من العالم، إضافة الى عدم تنظيم الأسواق والقوانين التي لا تزال ركيكة جداً ولا تؤمن حماية كبيرة للمستثمرين.
أما رئيس اتحاد الغرف اللبنانية محمد شقير فله رأي مخالف تماماً. فعلى الرغم من تأكيده قوة وتجذر اللبنانيين في أفريقيا إلا أن شقير يؤكد أن معظم الاستثمارات اللبنانية في القارة السمراء هي استثمارات قديمة يجرى تطويرها وتوسيعها في أحسن الأحوال. لكننا لا نشهد استثمارات جديدة في القارة الإفريقية وهي إن وجدت فهي استثمارات بسيطة.

والملفت أن التضارب في الرأي بين هذا الثلاثي سيستمر في ما يتعلق بالخليج والاستثمارات اللبنانية في هذه المنطقة.

الجاذبية الخليجية

وفقاً لرئيس اتحاد الغرف اللبنانية فإن أكثر الاستثمارات اللبنانية تتركز في دول الخليج. وتشير آخر الأرقام الى أن قيمة الاستثمارات اللبنانية في منطقة الخليج، أي قيمة المؤسسات التي يملكها اللبنانيون تتجاوز 125 مليار دولار أميركي.
والمؤسسات اللبنانية في الخليج، أي التي يملكها اللبنانيون تقدر بالآلاف هذا عدا عن المؤسسات التي يكون فيها اللبناني شريك مع مواطني الدول الخليجية والتي تسجل كشركة سعودية أو إماراتية أو قطرية في هذه الحالة...
ويشير شقير إلى أنه في السوق الحرة لمطار الشارقة يوجد 315 شركة لبنانية من أصل 7000 شركة.
واللبناني يعمل ويستثمر في كل المجالات في دول الخليج من البناء والخدمات والتوزيع والصناعة الى الإعلام... وتحتل المملكة العربية السعودية صدارة الدول التي تجذب المستثمرين اللبنانيين تليها الامارات وقطر. على العكس من شقير نجد أبو سليمان وصراف. فالخليج يحل في المرتبة الثانية من حيث جذب الاستثمارات اللبنانية بحسب أبو سليمان، والقطاع الخدماتي هو الطاغي على الاستثمارات اللبنانية في دول الخليج، متفوقاً على القطاع العقاري والتطوير العقاري بسبب شبه الركود العقاري في هذه الدول.
أما لماذا أصبحت أفريقيا هي الجاذب الأكبر للمستثمرين اللبنانيين بدل الخليج، فيعيده أبو سليمان الى أن بلدان الخليج أصبحت متطورة جداً، والمنافسة حادة على السوق الخليجية بين الدول الكبرى وشركاتها العملاقة لا سيما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. من ناحيته يعتبر صراف أن البيئة الحاضنة في الخليج اليوم لم تعد سهلة كما كانت عليه في الماضي، إضافة الى أن الأسواق في دول الخليج هي أسواق منظمة ومهندسة، بحيث يجب على المستثمر الراغب بدخول هذه الاسواق أن يكون قوياً وجاهزاً، ففكرة أن تذهب الى دول الخليج معدماً أو من الصفر كما كانت الحال في ستينيات وسبعينيات القرن المنصرم لتأسيس نفسك بنفسك وتعود مع ثروة قد ولّت الى غير رجعة.

فهل يتفق الثلاثي؟

العراق وأوروبا والأميركتين
على الرغم من إيمان جاك صراف بالاستثمار في العراق، ومع أن اللبنانيين يعتبرون ثالث المستثمرين في إربيل بعد الكويتيين والأتراك، إلا أن الأحداث التي يشهدها العراق أثرت في شهية اللبنانيين لاستثمار في العراق الذي كان ومنذ سنتين عامل جذب كبير للبنانيين بحسب محمد شقير. الأمر الذي يؤكده أبو سليمان مضيفاً أن رفع المصرف المركزي العراقي لرأس مال المصارف الموجودة في العراق الى تقريباً 100 مليون دولار أثّر في المصارف اللبنانية الموجودة هناك ما دفعها الى التخفيف من توسعها.
أما عما يحكى عن استثمارات لبنانية ضخمة في قبرص ورومانيا خصوصاً وأوروبا بشقيها الغربي والشرقي لا يعدو كونه سوى تضخيم للأرقام والحقائق حيث أن الاستثمارات اللبنانية في هذه الدول بسيطة جداً بحسب شقير وصراف وأبو سليمان.
ولا ينكر ابو سليمان في هذا الإطار أنه كان هنالك توجه لبناني للاستثمار في القطاع المالي في قبرص ولا سيما من قبل الشركات المالية اللبنانية، لكن هذه المساعي والمحاولات لم تكتمل نظراً للأزمة المالية التي عصفت بقبرص.
الامر عينه ينطبق على الولايات المتحدة الأميركية ودول أميركا الجنوبية حيث الاستثمارات اللبنانية لا تزال بسيطة، مع إمكانية لتفعيل العلاقات مع دول أميركا الجنوبية خاصة بعد توقيع لبنان لمذكرة تفاهم لانضمامه الى ميركوسور.

البنوك اللبنانية في خدمة المستثمرين

البنوك اللبنانية عنصر أساسي وفعّال في عملية تمويل المستثمرين اللبنانيين ومنحهم السيولة اللازمة. وفي هذا السياق، يشير رئيس قسم البحوث والتحاليل الاقتصادية في مجموعة " بنك بيبلوس" نسيب غبريل إلى أن التسليفات المصرفية للقطاع الخاص بلغت 51 مليار و100 مليون دولار حتى أواخر شهر آذار، منها 45 مليار و700 مليون دولار للقطاع الخاص المقيم في لبنان أو المحلي و5 مليارات و400 مليون دولار تسليفات خارجية تمنح لأفراد لبنانيين أو شركات لبنانية موجودة في الخارج.


يشكل اللبناني في كثير من
الأحيان الوسيط الذي لا غنى عنه بالنسبة للأميركيين والفرنسيين الراغبين بدخول الأسواق الأفريقية


وهذا الرقم لا يشمل المصارف التابعة للمصارف اللبنانية في الخارج والتي تقوم أيضاً بمنح قروض للبنانيين، حيث توجد.
ويلفت غبريل الى أن النقطة الأساسية التي نفتقر إليها في لبنان هي غياب الارقام والإحصاءات الرسمية التي تحدد لنا حجم الاستثمارات الخارجية في لبنان وثانياً وهو الأصعب حجم الاستثمارات اللبنانية في الخارج، ما يبقي الموضوع في إطار التكهنات والتقديرات، مشيراً الى أن وجود أرقام دقيقية مهم لرسم ووضع الاستراتيجيات الاقتصادية ويساعد في تطوير العلاقات مع الدول التي يتجه إليها المستثمرون اللبنانيون.

الاستثمار في الانسان

في ما يختص بقطاع الأدوية، فالأهم هو نوع الخدمات التي تمكن اللبناني من تطويرها في بلده ويحاول أن يوظفها في بلدان أخرى بحسب رئيس نقابة مستوردي الأدوية آرمان فارس، "وهذه البلدان قد لا تكون تملك حوافز للاستثمار، وغير جذابة لمن يحاول أن يستثمر أمواله، لكننا نتجه إليها لأننا لا نستثمر أموالاً بل خدمات تؤمن لنا مردوداً".
ويضيف: "الدول التي نتوجه إليها هي البلدان النامية التي تحتاج لأدوية متطورة ولا تجد من يلتفت إليها، خصوصاً دول جنوب صحراء أفريقيا ودول آسيا الوسطى".
فهذه بلدان تتطور وعطشى للعلاجات المتقدمة والجديدة ونحن نملك القدرة على التعاون مع شركات دواء عالمية للعمل في هذه البلدان على ما يقول فارس.
قد تكون الفوضى اللبنانية إحدى مسببات نجاح اللبناني حول العالم، حيث أنها منحته المناعة اللازمة وحصنته بما يمكنه من مواجهة أشد الظروف قساوة والتعامل معها بحنكة وذكاء. ومن يمكنه العمل والاستثمار في الفوضى لن يجد صعوبة في الاستثمار في الدول التي تتمتع بأنظمة قانونية صارمة وبأسواق منظمة، هذه حال المستثمر اللبناني.



للصورة المكبرة أنقر هنا