فرضت المتغيرات التي طالت النظام العالمي وعولمة الاقتصاد المتسارعة الوتيرة تطور مفهوم الدبلوماسية التقليدية. فلم يعد مفهوم الدبلوماسية يقتصر على إدارة العلاقات السياسية بين الدول، بل اتسع ليشمل مجالات عدة اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، بيئية...

ففي ظل التكامل بين المجالين السياسي والاقتصادي وصعوبة الفصل بينهما، يبرز الاقتصاد باعتباره وسيلة من الوسائل الدبلوماسية لتعزيز التعاون بين الدول، وفي الكثير من الأحيان أيضاً كوسيلة من وسائل الضغط.

على غرار الكثير من دول العالم التي توظف علاقاتها الدبلوماسية لتنشيط اقتصادها وترويج مصالحها الاقتصادية، يحاول لبنان استثمار العلاقات الجيدة التي تربطه بالكثير من دول العالم والاستفادة من الطاقة الاغترابية والانتشار اللبناني الفاعل والمؤثر كمّاً ونوعاً لتطوير العلاقات التجارية مع دول جديدة، أو لتعزيز علاقات تجارية أصابها الشلل والجمود لزيادة فرص دخول المنتجات اللبنانية الى الأسواق الأجنبية وجذب الرساميل الى لبنان بما يساهم في استحداث وظائف جديدة للحدّ من البطالة وهجرة الشباب، وذلك في إطار مسار شامل وتعاون بين مختلف الوزارات.

اقتصاد ينزف

يشير وزير الصناعة حسين الحاج حسن الى أن لبنان بلد مصدر ومستورد، لكن استيراده يفوق صادراته بشكل كبير. وقد بلغ العجز في الميزان التجاري جراء هذا التفاوت بين الصادرات والواردات 17 مليار دولار عام 2014، فيما حجم اقتصادنا لا يتعدى 50 مليار دولار. بكلام آخر فإن العجز في الميزان التجاري يشكل ثلث اقتصادنا.
ويؤكد الحاج حسن أن "لبنان سيبقى يستورد أكثر بكثير مما سيصدر، لكن المسعى هو تقليص الفجوة بين الصادرات والواردات. فصادراتنا تبلغ حوالى 4 مليارات دولار، فيما يصل حجم وارداتنا الى 21 مليار دولار. ومخططنا يكمن في محاولة تخفيض الواردات الى حدود 17 مليار دولار ورفع الصادرات الى 5 أو 6 مليارات دولار، لنقلص العجز في الميزان التجاري، وذلك عن طريق الدعم المباشر للصناعة أو من خلال الرسوم الحمائية. ويوجد حالياً صناعتان محميتان هما كابلات الموتورات والترابة، والمطلوب حماية صناعات أخرى مهددة من الواردات".
ويشدد على "أن لبنان ليس في حرب تجارية مع أحد، ولا نريد أي مشكل تجاري أو سياسي مع أحد، لكن على الأصدقاء والأشقاء أن يدركوا أننا نواجه أزمة اقتصادية كبيرة".
وفي هذا السياق تبرز أهمية الدبلوماسية الاقتصادية، حيث إن التعاون قائم بين مختلف الوزارات كل حسب الدور المنوط بها لتحقيق هذا المسعى، بحسب وزير الصناعة.
فوزارة الخارجية تقوم بهذه المهمة عبر البعثات الدبلوماسية في الخارج ومن خلال التواصل مع مختلف الدول، ووزارة الاقتصاد تقوم بصياغة الاتفاقيات، ووزارة الصناعة ترسم السياسات، فيما وزارة المالية تحدد السياسات المالية والضريبية.

نحو ميركوسور وروسيا

أنشئت منظمة ميركوسور، السوق المشتركة للجنوب، عام 1991، وهي تضم خمس دول كاملي العضوية: البرازيل، الأرجنتين الأوروغواي، الباراغواي وفنزويلا، فيما لا تزال المفاوضات جارية مع كل من بوليفيا، تشيلي، كولومبيا، الاكوادور والبيرو للانضمام الى المنظمة. وهذه الدول تعتبر شريكة للمنظمة وتستفيد من بعض التسهيلات الجمركية، ولكنها لا تتمتع بالامتيازات التي تملكها الدول الكاملة العضوية.


أهم ما تحقق حتى الآن
في إطار الدبلوماسية الاقتصادية هو ما تم التوصل إليه مع منظمة ميركوسور ومع روسيا


وميركوسور واحدة من أهم التجمعات الاقتصادية في العالم، وهي رابع تكتل اقتصادي بعد الاتحاد الأوروبي ونافتا NAFTA، و آسيان ASEAN.
وسوق ميركوسور سوق ضخمة تضم أكثر من 260 مليون نسمة، وتمتد على مساحة تتجاوز 12 مليون كيلومتر مربع، ويقدر الناتج الوطني لدولها بحوالى 5700 مليار دولار أميركي، وهي تضم ما بين 10 الى 14 مليون منحدر من أصل لبناني، أي حوالى ثلاثة أضعاف اللبنانيين المقيمين في لبنان.
والأرقام التجارية بين لبنان وميركوسور تعتبر متواضعة جداً مقارنة بالإمكانيات الهائلة المتوافرة، وهو ما يفسر الرغبة اللبنانية في تفعيل هذه العلاقات التجارية. فصادرات دول ميركوسور الى لبنان تبلغ نحو 560 مليون دولار سنوياً، أي أقل من 2.7% من حجم الاستيراد اللبناني الذي يبلغ نحو 21 مليار دولار. أما صادرات لبنان الى هذه الدول فلم يتجاوز 14 مليون دولار، أي 0.35% من صادرات لبنان التي تقدر بحوالى 4 مليارات دولار.
وكان لبنان قد وقّع مذكرة تفاهم لانضمامه الى ميركوسور خلال الزيارة التي قام بها وزير الخارجية جبران باسيل في منتصف كانون الأول الماضي الى الأرجنتين.
واستكمالاً لهذه الجهود، وفي إطار الدبلوماسية الاقتصادية التي تعتبرها وزارة الاقتصاد والتجارة أساسية لتعزيز التبادل التجاري الخارجي، افتتح وزير الاقتصاد والتجارة آلان حكيم في 12 أيار المنصرم أعمال الاجتماع الأول للجنة المشتركة بين لبنان ودول ميركوسور في المجلس الاقتصادي والاجتماعي.
وبحسب حكيم، فقد التقت كل من وزارتي الخارجية والاقتصاد والتجارة على أهمية الدبلوماسية الاقتصادية، وتكاتفت الوزارتان وتعاونتا لتفعيل هذه الدبلوماسية. ويشير حكيم الى أن أهم ما تحقق حتى الآن في إطار الدبلوماسية الاقتصادية هو ما تم التوصل إليه مع منظمة ميركوسور ومع روسيا. فإضافة الى ما ذكرناه عن ميركوسور، حصل أيضا اتفاق مع روسيا، وتوجهت بعثة اقتصادية وتجارية الى روسيا وقابلنا اللجنة المشتركة الروسية ـ اللبنانية، ومنذ أسبوعين أتى وفد روسي لإنهاء المشروع ولإعداد اتفاقية تجارية بين لبنان وروسيا.
ولفت وزير الاقتصاد والتجارة الى أن "شركاءنا في روسيا وميركوسور أبدوا إعجابهم بأداء الحكومة اللبنانية في هذا المجال. ووفقاً لحكيم، فإن "50% من منتجاتنا خلال المرحلة الأولى من السنة الماضية وزعت في روسيا".

كنز مهمل

يشكل الانتشار اللبناني مصدر قوة سياسية واقتصادية وثقافية وسياحية ومالية للبنان. ولطالما تميزت العلاقة بين لبنان الرسمي والمغترب بالعشوائية والإهمال وطغى عليها الشعر والخطب الرنانة، في غياب شبه تام لأي استراتيجية فعالة لربط الوطن الأم بأبنائه المنتشرين في جميع أصقاع العالم. لكن على الرغم من أن المساعي لا تزال في بداياتها، تحاول وزارة الخارجية سدّ هذا النقص وتفعيل الروابط مع الاغتراب اللبناني من خلال "مؤتمر الطاقة الاغترابية" الذي تنظمه وزارة الخارجية للعام الثاني على التوالي من 21 الى 23 أيار الجاري.
والدبلوماسية الاقتصادية حاضرة بقوة في صلب هذا المؤتمر، حيث إن محورين من المحاور الثلاثة للمؤتمر يتمحوران حول "كيفية استثمار اللبناني في الخارج عبر لبنانيي الاغتراب" و"سبل جذب اللبنانيين المغتربين للعمل مع اللبنانيين المقيمين".
كذلك فإن المؤتمر سيشهد جلسات قطاعية، هي كناية عن 12 جلسة تعقد بالتوازي بعضها مع بعض، من أجل جذب اللبنانيين كل حسب قطاعه، وكيفية ارتباطهم بعضهم مع بعض، مقيمين ومغتربين، كل بحسب نوع عمله. وتعالج هذه الجلسات المواضيع الآتية: الصحة، المصارف والمال والتأمين، والهندسة والاعمار، المواد الزراعية والمائدة اللبنانية، الاعلام والاعلان والموسيقى والسينما، والفن والمجوهرات والموضة، التعليم والنشر والعلوم والثقافة، الصناعة والتجارة والفرانشايز، النفط والغاز والطاقة، الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، السياحة والفنادق والخدمات، السياسة والمنظمات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الاغترابية.
واللافت في كل ما تقدم أن الاقتصاد يجمع كل ما تفرقه السياسة؛ فالخلافات السياسية بين الافرقاء اللبنانيين وشلل المؤسسات لم يمنعا الوزارات اللبنانية من التكاتف والعمل معاً لدعم الاقتصاد وتفعيله وللالتفات نحو الانتشار اللبناني.




دور "إيدال"

المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان "إيدال" هي هيئة وطنية أنشئت عام 1994 بهدف ترويج لبنان كوجهة استثمارية حيوية وجذب الاستثمارات إلى لبنان وتسهيل أعمالها والحفاظ عليها. وفي عام 2001، تمّ تعزيز دور المؤسسة من خلال إقرار القانون رقم 360 لتشجيع الاستثمارات في لبنان الذي نظّم النشاط الاستثماري ووفّر للمستثمرين مجموعة من الحوافز والتسهيلات للمشاريع.
وإضافة إلى دورها كهيئة لتشجيع الاستثمار، تقوم إيدال أيضاً بالترويج للصادرات اللبنانية والتسويق لها، لا سيما على صعيد المنتجات الزراعية والصناعات الغذائية. تتمتّع إيدال باستقلالية مالية وإدارية، ومرجعيّتها رئيس مجلس الوزراء، كونها تخضع لوصايته. وقد أنجز الشباك الواحد في إيدال عام 2013 ثمانية مشاريع استثمارية من بين المشاريع المطروحة لدى إيدال للاستفادة من الحوافز المالية التي تقدمها للشركات. وعند وضعها موضع التنفيذ، سوف تبلغ قيمة هذه المشاريع الثمانية 222 مليون دولار، ومن المتوقع أن توفر أكثر من 874 وظيفة مباشرة و1820 وظيفة غير مباشرة.