كان عام 2012 خيّراً على صناعة النبيذ اللبناني تماماً كما الأعوام التي سبقته. خلاله استمرّ هذا المنتج بغزو الأسواق الشرقية والغربية وبإغواء النقاد والذواقة. من بين الأذواق الصعبة التي روّضها، أبناء المملكة المتّحدة، إذ أن صادرات النبيذ إلى ذلك البلد نمت بنسبة 33% مقارنة بالعام السابق.

ولكن ما أبعد الأمس عن اليوم!

فبعد ثلاثة أعوام تماماً على نشر المجلة البريطانية الإلكترونية، Harpers، مقالها عن توسّع هذه الصناعة اللبنانية في أحد أهم وأكبر اقتصادات العالم، صدر القرار الشهير لشركة الخطوط الجوية البريطانية، British Airways، بوقف نقل البضائع والصادرات اللبنانية عموماً من مطار بيروت لاعتبارات أمنية مرتبطة بعدم احترام لبنان معايير سلامة الطيران والكشف الدقيق على البضائع التي خطّها الاتحاد الأوروبية ودخلت حيز التنفيذ أخيراً.
ليست الخطوط الجوية البريطانية الأسطول الوحيد لنقل البضائع إلى المملكة المتحدة. هناك بدائل كثيرة بحراً وجواً من دون شكّ. غير أنّ لهذه الحادثة أهمية في أكثر من مجال تتضح عبرها خصوصية النموذج اللبناني. يُمكن بالحد الأدنى مقاربة جانبين لها.

تراكمات

أوّلاً، صدر هذا القرار على نحو مفاجئ وصادم للكثيرين، غير أنّ إرهاصاته كانت تتراكم منذ أكثر من 6 سنوات، مع تزايد الانتقادات لكيفية إدارة لبنان لقطاع الطيران عموماً ولمطاره الدولي الذي يُشكّل المرفق الأهمّ لتبادل السلع والأشخاص مع الخارج.
ثانياً، وهنا الأهمّ، يُظهر القرار والطريقة التي تمّ التعاطي معه بها – تحديداً المؤتمر الصحافي لوزير الأشغال العامة والنقل، غازي زعيتر، الذي وعد بتجهيز المطار بماكينات كشف المتفجرات لتبريد القلق الأوروبي – أن البلاد تمضي بإدارة مؤسساتها وشؤونها العملية وفق مبدأ الصدمة وردّة الفعل عوضاً عن معالجة المشاكل بعد وقوعها.
وهذا ما ينقلنا إلى الجانب الآخر من النقاش. إذ تماماً كما يعتمد لبنان على بلدان كثرة لتأمين مستورادته الاستراتيجية والكمالية، ولتأمين الأشغال والوظائف لآلاف الشباب الذين يهاجرون كلّ عام، يعتمد أيضاً على أسواق محددة لتصريف إنتاجه من السلع.
ماذا لو قرّر، مثلاً، بلد بحد ذاته وقف الاستيراد من لبنان؟ ماذا يحدث؟
هذا التساؤل افتراضي إلى حدود كبيرة، ففي إطاره نسلم جدلاً بأنّ القنوات الدبلوماسية سُدّت تماماً بين لبنان والبلد المعني، وأن العلاقات بينهما تحوّلت إلى عداوة بحتة. غير أن التساؤل نفسه، معطوفاً على الحادثة مع الشركة البريطانية، يفتحان الباب على النقاش حول سياسة التصدير وتنوع الأسواق.

أسواق محدودة

استناداً إلى البيانات المتاحة لعام 2014، بلغت الصادات الإجمالية للبنان 3.3 مليارات دولار. صحيح أن ما يستورده لبنان يساوي أكثر من ستة أضعاف قيمة ما يصدره، تبقى السلع اللبنانية التي تخرق الحدود باتجاه الأسواق المختلفة حيوية لتأمين العملات الصعبة ولترسيخ العلامة التجارية اللبنانية.
غير أنّ نظرة دقيقة إلى البيانات توضح أن الانتشار ليس بالمستوى الذي يُمكن أن يظنه المرء.


فبين أكثر من 200 بلد تستورد بضائع من لبنان، هناك ستة بلدان فقط تستأثر بنصف تلك الصادرات. بكلام أوضح: 50% من السلع التي يصدرها لبنان، أي 1.6 مليار دولار تقريباً، تذهب إلى أسواق محددة هي العراق، السعودية، الإمارات العربية المتحدة، جنوب أفريقيا، سوريا والأردن.
هذا التركّز الجغرافي على مستوى التجارة الدولية الذي يميز علاقة لبنان بالخارج، له معانٍ كثيرة. فمن جهة هو يعني أن لبنان لا يتمتع لبنان بهامش المناورة أو بترف المرونة التجارية في حالات العوائق اللوجستية، السياسية أو الاقتصادية العامّة.
مثلاً، عندما استعرّت الحرب في سوريا عانى سائقو الشاحنات اللبنانية الذي ينقلون البضائع عبر الأراضي السورية إلى العراق من عراقيل جمّة تراوح بين قطع الطرق وصولاً إلى مخاطر القنص بهدف السرقة. كان الحلّ بنقل الشاحنات باستخدام السفن والالتفاف عبر البحر الأحمر وصولاً إلى الميناء العراقي.
هذا التعقيد اللوجستي الهائل يوضح مدى أهمية السوق العراقية للمصدّر اللبناني. فهي تستورد 256 مليون دولار من البضائع اللبنانية سنوياً، على رأسها المعدات الإلكترونية والآلات إضافة إلى الأطعمة والمشروبات الجاهزة والتبغ. وهناك أيضاً المنتجات الحيوانية والفاكهة والخضار.

رغم أن ما يستورده لبنان
يعادل 6 أضعاف ما يصدره، تبقى سلعه التي تخرق الحدود الدولية حيوية لتأمين العملات الصعبة

العراق هو ثالث أهمّ بلد للبنان على جدول أسواق التصدير، أمامه مباشرة تحلّ الإمارات العربية المتّحدة. هذا البلد الذي تُعدّ عاصمته الاقتصادية، دبي، شبه محجّ، لخرّيجي الجامعات في لبنان وتحديداً لاختصاصيي إدارة الأعمال والاموال، يستورد سنوياً بضائع من لبنان بقيمة 320 مليون دولار، ثلثها تقريباً عبارة عن المجوهرات والأحجار الكريمة، تليها من حيث الأهمية المنتجات الكيماوية.
فلنتخيل مثلاً، أن التوتر الذي ساد بين البلدين على خلفية الانتماءات السياسية للجالية اللبنانية في الإمارات وتُرجم ترحيلاً للبعض، يتكرّر على المستوى التجاري؛ ستكون الكلفة للبنان عبارة عن 20% من الصادرات على المحكّ.

الكلفة الأكبر

أما الكلفة الأكبر افتراضياً على مستوى تأثر الصادرات فهي في العلاقة مع السعودية التي تستورد بضائع لبنانية بقيمة 377 مليون دولار سنوياً، وتحلّ في المرتبة الأولى على جدول الصادرات اللبنانية. 40% من تلك الصادرات تقريباً عبارة عن المأكولات الجاهزة والمشروبات إضافة إلى المعدات والآلات الكهربائية. يُشار هنا إلى أن الميزان التجاري مع السعودية هو من بين الأكثر توازناً، إذ أنه يُسجّل عجزاً في حسابات لبنان – وفائضاً لصالح المملكة ــــ بنسبة 9% فقط.
تبقى ثلاثة بلدان تُعدّ حيوية للتجارة الدولية اللبنانية. أولها بلد يُعد غريباً على هذه اللائحة من حيث التصنيف الجغرافي والثقافي ــــ إذ أنه يكسر قاعدة الارتهان الإقليمي ــــ وهو جنوب أفريقيا. إذ يستورد 297 مليون دولار من السلع اللبنانية سنوياً، أكثر من 90% منها عبارة عن أحجار كريمة معادن ثمينة ولؤلؤ.
في المرتبة ما قبل الأخيرة على لائحة "الستة الكبار"، تحل سوريا. في عام 2014، استورد هذا البلد بضائع من لبنان بقيمة 242 مليون دولار، أي ضعف ما صدّره إليه. غير أن هذا المؤشر لا يعكس الحقيقة كاملة نظراً الى تداخل وتشابك العلاقات الاقتصادية بين البلدين لدجة تخطي البروتوكولات التجارية في الاستيراد والتصدير، فضلاً عن تداعيات الحرب التي تعيشها سوريا منذ أكثر من أربع سنوات وتجعل سوقها بأمسّ الحاجة إلى السلع الحيوية.
ونبقى في منطقة المشرق ومع بلد جار آخر تتخطى فاتورة استيراده من لبنان المئة مليون دولار، وتساوي تقريباً قيمة صارداته إليه. عد الأردن أحد أهم الشركاء التجاريين للبنان، إذ بلغت قيمة البضائع التي استوردها منه العام الماضي 130 مليون دولار، أبرزها المنتجات الكيميائية إضافة إلى الخضار والفواكه. وكما الحال مع العراق، ليست هناك حدود برية للبنان مع الأردن، ويعتمد المصدرون على خطوط السفر السورية والخطوط الجوية.
إذاً، عبر هذه الخارطة المبسطة لحركة الصادرات اللبنانية يتضح مستوى تركّز النشاط التجاري لهذا الاقتصاد الصغير. ولكن الحجم الصغير لا يشفع للبنان ولا يُبرر المصائب المؤسساتية والإدارية التي يرتكبها نظامه، كما الفضيحة التي حصلت أخيراً مع British Airways، وأيضاً لا يُبرّر غياب المناصرة التجارية في البلدان الأخرى لترويج البضائع اللبنانية وفتح آفاقها صوب أسواق جديدة.
هناك خطوات صغيرة يُمكن اعتمادها لترسيخ جودة المنتج اللبناني عموماً تماماً كما حصل مع نبيذ لبنان في المملكة المتحدة بعد اليابان ووأوروبا الغربية. قد تبدأ بالقنصليات وتنتهي بالمعارض الدولية. كذلك هناك خطوات إدارية لزرع بذور الشفافية عند النقاط الحدودية التي تُعدّ حيوية في العلاقة مع الخارج. المهمّ أن تكون النية موجودة.