مونتريال | قد لا يُشكّل مبلغ 50 مليار دولار حالة على المستوى الدولي. فثروة أغنى رجل في العالم تفوقه بنسبة 50%، فيما أنفقت روسيا ما يماثله لتنظيم ألعابها الأولمبية الشتوية في سوتشي أخيراً، مع كلّ ما احتواه هذا المبلغ من تنفيعات وحسابات خاصة.


غير أنّ الرقم يعني الكثير للبنان، أو بالأحرى يجب أن يكون كذلك. فاقتصاد البلاد، أي إجمالي ما تُنتجه خلال عام كامل، يجب أن يكون قد تخطى هذا المستوى خلال العام الماضي وفقاً للحسابات الرسمية التي تُصدرها إدارة الإحصاء المركزي. وإذا مضت الأمور على ما بشّرت به معطيات العام الماضي وتحقق النمو الذي كان متوقعاً، تكون البلاد حالياً في مرحلة ما بعد الخمسين.
ارتدادات اقتصادية
يترافق هذا الحدث مع تحوّلات مهمّة شهدتها البلاد على الساحة السياسية مؤخراً. إذ أنّ الحوارات المحلية/ الدولية قد تُفضي إلى الخروج من مأزق الحكم نحو انتخاب رئيس جمهورية ورئيس حكومة يمثلان التكتلين السياسيين الكبيرين في البلاد. ولذا فإن الانعكاسات الإيجابية، بالمعنى الكمي، التي سيُشكّلها هكذا اتفاق على النموذج الاقتصادي القائم، قد تكون ذات ارتدادات اقتصادية مهمة.
ولكن حتى ذلك الحين تعيش البلاد معضلة عدم القدرة على تعديل مستوى وطبيعة عمل شركاتها عند مقتضيات السوق ولجذب زبائن جدد. تحولت هذه المعضلة إلى أزمة حقيقية منذ العام 2011، أي بعد ازدهار اقتصادي كامل استمر ست سنوات.
ليس تعديل قواعد اللعبة السياحية عملية صعبة. ويُمكن للبنان الاستفادة جداً من تجربة الصمود التي تُظهرها الشركات السويسرية. نعم، البلاد التي كان يتشبّه بها لبنان عشية الحرب الأهلية.

حالياً تعاني تلك الشركات من شبه أزمة نتيجة تخلي المصرف المركزي السويسري عن ربط الفرنك باليورو والاستغناء عن سعر الصرف الثابت البالغ ـ1.2 فرنك، ما أدى إلى ارتفاع سعر العملة السويسرية على نحو كبير. وشكّل الأمر انتكاسة للشركات المصدّرة ــــ وتحديداً تلك التي سدّدت الأموال لمورديها منذ فترة وتنتظر دفعات زبائنها التي ستكون أضعف بطبيعة الحال ــــ وأيضاً لشركات السياحة التي تنتظر موسم التزلج لكي تراكم العملات الصعبة لأيام الصيف المقبلة.

التحول ضروري خصوصاً بعد انتهاء مرحلة الدنانير والريالات الخليجية التي كانت تنتشر على طاولات الحانات والمرابع الليلية

يتشابه البلدان بحدود كبيرة، وتحديداً على المستوى الاقتصادي. إذ أن كليهما يعتمد على السياح وعلى تصدير سلع الزينة الشخصية الفخمة. لبنان يحتاج بالتأكيد إلى عقود طويلة للوصول إلى تعقيدات الحركة الآلية للساعة السويسرية، غير أن بمقدوره تحقيق الكثير بما هو موجود.
فماذا يُمكن تعلمه من الرفاق السويسريين؟
في أحد التقارير الإخبارية على فضائية أوروبية، يتحدّث مدير شركة Rueger الشهيرة في صناعة معدات قياس الحرارة والضغط وما إلى ذلك، عن صعوبة ابتلاع تداعيات الأزمة في دفاتر الشركة المختصة بالتصدير. برأيه إنّ تعديل التوقعات والتأقلم عبر ابتلاع الخسارة يتطلب ثلاثة أعوام. غير أن ذلك لا يعني أنه تم توقيف العمل أو أجزاء منه، بل على العكس، التشغيل مستمرّ بالزخم نفسه، وتعول الشركة على حصر أرباحها بتعويض الخسائر والتحوط من المرحلة المقبلة، على أن تستعيد عافيتها بعد استخدام المؤونات الخاصة بالالتزامات تجاه الغير.
غير أن اللافت في بلاد الألب، هي العقول العاملة وراء تلك المنتجعات الهائلة. فقد عمدت مجموعة AG Grachen إلى تأمين سعر صرف مغر ــــ والاهم ثابت ــــ للفرنك للزبائن الأجانب، طالما أنهم يدفعون نقدا وباستخدام العملة الأوروبية الموحدة.
يعادل سعر الصرف التي تقدمه تلك المؤسسات 1.3 فرنك، أي أقل من السائد في السوق، ويبدو أن اعتماده نجح في الحفاظ على معدلات الحجوزات في المنتجع وعلى الحركة السياحية طبيعية نسبياً. وللتذكير فإنّ كلفة الحفاظ على معدل التشغيل هذا هي عبارة عن دخل غير محقق أو خسارة نسبية لصاحب العمل.
وهذا ما يُعيدنا إلى الحديث عن الصيغة الاقتصادية اللبنانية. ليس خافياً على أحد أن البلاد يحكمها نظام طوائف سياسية بتعقيدات وتشابكات كثيفة تجعل من الصعب التحليل والتوقع. ولكن بالاستناد إلى الحد الأدنى من المعطيات الموجودة يُمكن بسهولة التمثّل بالتجربة السويسرية، في أوقات الصعاب وخصوصاً أن الصيف على الأبواب ويُفترض أن يحمل تغييرات مهمّة قد تكون بداياتها مع انتهاء الشغور في موقع رئاسة الجمهورية وتوازي ذلك مع تحوّل مناسب آخر على صعيد رئاسة مجلس الوزراء.
وهذا الوضع يفرض اعتماد نظام يتماهى مع مقتضيات التأزم، أي على العكس تماماً من التعنّت الخاسر الذي أبدته الفنادق الكبرى خلال الأزمة السياسية الأمنية التي انطلقت منذ عام 2011. يُمكنها بالتالي تشكيل رزم للسياحة الاقتصادية، أو أن تعمد إلى خفض الأسعار لبعض فئات الدخل، أو للعائلات؛ (وهذه بعض الاقتراحات التي كانت إدارة الوزير السابق فادي عبود قد خطّتها خلال تسلمه حقيبة السياحة، من دون أن يتحقق منها شيء).
هذا التحول ضروري خصوصاً بعد انتهاء مرحلة الدنانير والريالات الخليجية التي كانت تنتشر على طاولات الحانات والمرابع الليلية والفنادق اللبنانية. إذ أن على المؤسسات السياحية الكبرى التضحية ببعض أرباحها بهدف ضمان استمرار العمل عوضاً عن الجلوس لانتظار الأمير الخليجي المناسب.
لا شكّ في أن العمل في كنف البيئة اللبنانية مليء بالتحديات، وخصوصاً في ظل معدلات الفساد العالية. أخيراً توصّل مسح أعدته شركة "إيبسوس" إلى أن الجيش اللبناني هو أقل المؤسسات فساداً في البلاد. فقد أعرب أقل من 14% عن اعتقاده بأن المؤسسة العسكرية يشوبها الفساد، فيما اللافت هو أن أكثر من 45% أعربوا عن اعتقادهم بأنّ وزارة التربية والتعليم العالي يشوبها الفساد، ما يُظهر فارقاً بأكثر من 30 نقطة مئوية؛ هو فارق مدهش وطنياً، وغير أنه يُظهر مستوى العلاقة بين اللبناني وجيشه.
غير أن هذه العلاقة تبقى عاطفية ومقتصرة على تهدئة البلاد عبر "القضاء على الإرهابيين" نظراً لأن الجيش مؤسسة غير منتجة اقتصادياً، لذا فإنّ العمل على صعيد المؤسسات السياحية التي تُشغل أكثر من ثلث اليد العاملة اللبنانية ذو أهمية خاصة.
هناك إذاً ملفات كثيرة تجدر مقاربتها في المرحلة المقبلة، من تحديد أسس استدامة الدين العام وصولاً إلى محاولة معالجة مشكلة الكهرباء. ولكن في ظلّ تعقيدات الإدارة الموجودة، فإنّ الخيارات المباشرة عبر تحفيز الشركات السياحية ــــ وهنا يُشار إلى أن شركة الطيران الرسمي اللبناني MEA عمدت أخيراً إلى خفض سعر بطاقاتها بالتماهي مع تراجع اسعار النفط ــــ تُعدّ خياراً ملائماً للحفاظ على معدلات التشغيل وتجنب نزف ديموغرافي إضافي مع ترهل التركيبة المؤسساتية والاقتصادية لمجمل الشركات في البلاد.