في بلدان الخليج عامة، والسعودية على وجه الخصوص، تحكم العلاقات الشخصية أطر العمل الاقتصادي بمختلف أوجهه بشكل مباشر ومؤثر. ليس الموضوع سرا، والحديث في هذا المجال لا يكشف عن جديد. في تلك البلاد من الصعب الحديث عن نظام مؤسساتي قائم، لا يتأثر بالتغيرات السياسية التي قد تطرأ من أعلى الهرم وصولا إلى القاعدة وما بينهما. في تلك المنطقة من العالم هناك مجموعات حاكمة، عائلات، عشائر، أفراد لا مؤسسات، تتداخل أهواؤها ومصالحها وحساباتها الغريبة أحيانا في صياغة الكثير من القرارت الاقتصادية، سواء على صعيد القطاع العام، أم على صعيد القطاع الخاص وشركاته وحركته واستثماراته.


خاصية الشركات

للعائلة الحاكمة في المملكة تعقيدات سياسية لا يفوقها تعقيدا إلا العلاقة الاقتصادية والتجارية والاستثمارية بين أفرادها وعالم المال والاعمال. شركات توكيلات، نفط، مشاريع، شراكات، رجال أعمال، محسوبيات، سمسرات... لذا من الطبيعي السؤال عن تأثير التغيرات السياسية الطارئة على العلاقات الاقتصادية بين لبنان والمملكة مع وصول ملك جديد، يبدو من أول أيامه أنه يسعى إلى تغيير الكثير مما كان سائدا في سابق عهده.
للسعودية خصوصيات قد تتشاركها بين نظيراتها من دول الخليج الأخرى، لكنها تبقى في السعودية تحديدا خاصية سعودية بحتة. يمكن القول إنه ليس هناك من شركات أجنبية في السعودية. نعم. بأي معنى، لا يمكن الحديث في المملكة عن شركات حتى ولو كانت عالمية وعابرة للقارات، من دون أن تتم سعودتها بشكل من الأشكال، أي أن تدخل في شراكة مع رأس مال سعودي أو يتم إنشاء شركة جديدة بخاصية معينة تكون مكملة للشركة الأم، والمصارف العالمية العاملة هناك، خير دليل على ذلك.

لبنانيا

تعد السعودية اليوم أكبر مصدر للإستثمارات الخارجية في لبنان، وتأتي في مرتبة متقدمة كشريك تجاري له، واللبنانيون في المملكة، وهم الأكثر عدداً على بين اللبنانيين المنتشرين في دول الخليج والعالم العربي، ينشطون في كافة المجالات والقطاعات ويساهمون بشكل أساسي في عملية تنمية وتطوير الإقتصاد السعودي منذ عقود طويلة، لكن بخصوصية معينة أيضا.
منذ فترة، أي أكثر من ثلاث سنوات، يلاحظ متابعون للملف الاقتصادي بين البلدين أن الاستثمارات السعودية في لبنان "مُجمّدة"، لكنها لم تلغَ، وأن شراء السعوديين للعقارات في البلاد لا يزال مستمراً، رغم انخفاض وتيرة أعداد القادمين إلى البلد.

للمفارقة سيكون "حزب الله" ومن يدورون في فلكه، إضافة إلى مصالح آل الحريري، أكثر المتضررين من تغييرات الملك الجديد


يقول أحد رجل الأعمال اللبنانيين الذي له باع طويل بالعمل في المملكة منذ سنوات طويلة "أنه لم يسجل خلال العام الماضي دخول رأس مال لبناني كبير للاستثمار في السعودية، واقتصر الأمر على توفير الأيدي العاملة في تخصصات عدة، كالطبية والهندسية والمحامين، إضافة إلى بعض المشاريع الصغيرة". هل سيتغير هذا الأمر مع الملك الجديد؟
علميا وعمليا، لا يمكن فصل المسار السياسي عن الإقتصادي أو الإستثماري، بإعتبار أن هذه العناوين تحتاج إلى مناخات أمنية هادئة وإستقرار على مختلف المستويات السياسية لتعزيز عامل الإقتصاد والإستثمار.
من دون أمن وإطمئنان لا مجال لأي إستثمارات أو مشاريع كبيرة وعملاقة في أي دولة. فالإستثمار لا سيما في لبنان يحتاج إلى أجواء أمنية هادئة تعزّز فرصه في مختلف المجالات من العقارات إلى المشاريع الفندقية والصحية والتربوية وعلى مختلف المستويات والصعد، ولهذه الغاية ينظر المستثمر قبل توظيف أمواله وفي أية دولة إلى وجود ما يطمئنه وتحديدًا على المستوى الأمني والإستقرار، إضافة إلى أهمية وجود القضاء العادل والنزيه، وهذه حقيقة راسخة وواضحة، بمعنى أنه لا إستثمار وإقتصاد من دون أمن مستتب وعدالة نزيهة.

حزب الله والحريري

في محاولة لاستقراء معالم المرحلة المقبلة على صعيد العلاقات الاقتصادية بين لبنان والمملكة مع وصول سلمان بن عبد العزيز إلى سدة الحكم، تقول مصادر مطلعة من داخل المملكة إن "التغير ولو جاء على النسق السعودي، هو من معالم المرحلة القادمة"، وتتوقع أن يكون وللمفارقة "حزب الله" وتحديدا رجال الاعمال الذين يدورون في فلكه، إضافة إلى مصالح آل الحريري وكل من يدور في فلكهم كذلك، من أكثر المتضررين من التغييرات التي ستطرأ على علاقات المال والأعمال بين البلدين".
الأسباب التي تصيغها هذه المصادر تبدو منطقية، فحزب الله، وضمن قرار التضييق الخليجي الذي اتخذ العام الماضي على حركة الأعمال التي قد تكون مرتبطة به سيعاني مزيدا من محاولات العزل والمنع، وإن كان ذلك أمرا صعبا.
أما آل الحريري، ومصالحهم وشركاتهم العاملة لاسيما "سعودي أوجيه" فإن المشكلة التي افتعلتها زلة لسان سعد الحريري منذ سنوات مع محمد بن نايف يبدو أنها لم تحل بعد، بل يرى مطلعون إن تداعياتها ستأخذ منحى سلبيا أكثر مع بزوغ نجم ولي ولي العهد الجديد، باعتباره الرجل الأقوى في التركيبة الحالية للحكم، وإن كانت محاولات الحريري التقرب من الأمير مقرن باعتباره ولي العهد لن تحل المشكلة، التي دخلت في الإطار الشخصي، وهو الأصعب لمن يعرف العقلية السعودية الحاكمة.
هكذا يقف القطاع الخاص اللبناني اليوم بين مطرقة الوضع الأمني داخلياً المانع لتدفق الإستثمار الأجنبي، وبين سندان معاناة الإستثمار اللبناني في الخارج. الخوف بات يلف حركة المستثمرين اللبنانين في مختلف الدول العربية تأثراً بأوضاع المنطقة الملتهبة (سوريا، العراق، مصر، ليبيا) وسط حذر خليجي من الإستثمار في لبنان يبدو أنه سيستمر إلى حين.