تحتاج كل شركة أو مؤسسة أو منظمة إلى رأس مال لديمومة عملها، ولإعادة إنتاجها، وحل مشاكلها. وفي عالم اليوم يوجد في شركات الأعمال كل من رأس المال التقليدي Traditional Financial Capital، وإلى جانبه رأس مال آخر مهم، هو رأس المال المعرفي Knowledge Capital، الذي يمكن تجزئته إلى رأس المال المعرفي للمؤسسة، ورأس المال المعرفي للفرد الذي يشير إلى المعارف، والمهارات، والقدرات، والتجارب، والتعليم، والملكات الجوهرية للموارد الإنسانية.


لم يكن رأس المال الفكري ومفهومه معروفين أو شائعين إلا خلال العقد الأخير من القرن العشرين. لكن الدراسات والبحوث الأكاديمية والتطبيقية خلقت تياراً متخصصاً قوياً يحاول بإصرار تفكيك العناصر المعقدة وغير الملموسة من هذا المفهوم؛ وذلك للكشف عن بنيته ووظائفه، ولإزالة الغموض والضبابية اللذين يتسم بهما.
وقد أفرزت هذه الدراسات مصطلحات مثل: رأس المال المعرفي، وأصول المعرفة Knowledge Assets، والأصول غير الملموسة (أو غير المنظورة) Intangible Assets، ورأس المال غير الملموس (الأثيري) Intangible Capital. ومع ذلك، ومن منظور استراتيجي، تستخدم المنظمات والمؤسسات رأس المال الفكري أو رأس المال المعرفي لتكوين القيمة التنظيمية وتعزيزها ولترسيخ النجاح الذي يتطلب وجود القدرة على إدارة هذا المورد الاستراتيجي النادر.

لم يكن رأس المال الفكري ومفهومه معروفين إلا خلال العقد الأخير من القرن العشرين

إذاً لا توجد في عالم اليوم – ولن توجد في عالم الغد – شركة تخلو من رأس المال الفكري. وتبقى هناك مسألة مهمة يمكن طرحها من خلال السؤال الجوهري: إلى أي مدى تعتمد المؤسسات في الحاضر وفي المستقبل على هذا النوع من رأس المال دون الآخر؟
الجواب على ذلك، بكل بساطة، هو: ما دمنا نعيش في ظل التحول التاريخي إلى اقتصاد المعرفة ومجتمع المعلومات، فإن قوة التغيير الصاعدة في جميع المنظمات والمؤسسات هي في اتجاه رأس المال الفكري، ومن ثم سيتوقف استمرار شركات الأعمال على كفاءتها في الإدارة والقياس والتقويم لرأس المال الفكري بوصفه المصدر الحيوي الأهم للميزة الاستراتيجية المؤكدة.
ولكن إمكانية قياس رأس المال الفكري مهمة صعبة جداً مقارنة بسهولة القياس والتقويم للأصول المادية الثابتة والمستقرة التي تعد من العناصر الأساسية لرأس المال المادي التقليدي، وما يزيد صعوبة هذه المهمة أن للأصول المادية حياة محدودة أو عمراً إنتاجياً محدداً، بينما نجد أن أصول رأس المال الفكري (أصول المعرفة) لها قيمة مفتوحة النهاية Open Ended Value؛ لأنها في الأساس التكويني والوظيفي ليست قيمتها خطية يمكن استخلاصها من مدخلاتها مباشرة، بل هي نتاج مبتكر لشبكة معقدة من القيمة وتحولاتها، فضلاً عن كون أصول المعرفة نفسها مندمجة وضمنية في المعارف والمهارات المخفية للأفراد والجماعات.
تميزت العقود الثلاثة الأخيرة بتصاعد تأثير الأصول غير الملموسة في عملية الإنتاج، وفي تكوين القيمة الاقتصادية للمنظمات والمؤسسات وللمجتمعات وللدول أيضاً، ها نحن نشاهد أن أقوى الشركات العالمية هي الشركات التي يحتل فيها رأس المال المعرفي (الفكري) المرتبة الأولى؛ مثل: ميكروسوفت، فايسبوك، غوغل. وتستمر هذه الظاهرة التاريخية بالتأثير كلما اتجهت الشركات والمنظمات والدول والاقتصاد نحو الاعتماد أكثر فأكثر على المعرفة، حيث أصبحت المعرفة المصدر الأساس للميزة التنافسية.
من تجليات ظاهرة رأس المال الفكري حدوث تغير جوهري في نمط النمو الاقتصادي العالمي، الذي رافق التطور في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والثورة المعرفية في جميع المجالات منذ السبعينيات؛ وبصورة خاصة التكنولوجيا الحيوية، والهندسة البيولوجية والوراثية، وصناعة الفضاء، وقد قادت هذه التحولات وغيرها "المعرفة" إلى أن تصبح أهم رأس مال في ظل اقتصاد المعلومات والمعرفة المعولم.