لم يكن المشاركون في اجتماع «مجموعة اليورو» الذي أجري عبر الهاتف قبل نحو أسبوعين، ربما، يتوقعون حالة الشلل التي تعيشها غالبية دول المجموعة اليوم تحت ضغط انتشار فيروس «كورونا». واكتفوا يومها بالإشارة إلى التأثير السلبي الذي قد يتركه هذا الوباء على الاقتصاد الأوروبي، وأبدوا استعدادهم لاتخاذ الإجراءات السياسية والتدابير المالية اللازمة للحد منه. صوت نواقيس الخطر الاقتصادي في أوروبا والعالم، بدأ بالارتفاع منذ مدّة، حتى قبل أن يصل الوباء إلى أكثر من 130 دولة. منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أبدت مخاوفها سابقاً من «انهيارات» متتالية لاقتصادات الاتحاد؛ ورأت كبيرة الاقتصاديين فيها لورانس بوني، أن على الحكومات التحرّك فوراً لاحتواء الوباء. بدوره، أكد صندوق النقد الدولي أن انتشار الفيروس أحبط التوقعات بتحقيق نمو اقتصادي قوي، العام الحالي، وسيدفع أرباح الناتج العالمي للعام 2020 إلى أدنى معدل لها منذ الأزمة المالية في عام 2008.


دعمٌ «بلا حدود»
الدول الأوروبية المتضررة باتت مضطرّة إلى دعم اقتصادها، في محاولة لتحجيم الخسائر. إيطاليا التي سجّلت حتى اليوم أكثر من 24 ألف إصابة، تبنت قراراً بتخصيص حزمة بقيمة 25 مليار يورو، لدعم الاقتصاد، عقب اجتماع عُقد يوم أمس الإثنين لمجلس الوزراء الإيطالي. ووفق وكالة «رويترز»، فإنّ القرار يستهدف تخفيف الصدمة الواقعة على الاقتصاد في ظل إجراءات صارمة أُعلنت الأسبوع الماضي لمحاولة احتواء تفشي المرض، إذ تقرّر إغلاق المدارس والمتاجر والمطاعم وإلغاء المناسبات الرياضية، وطُلب من الإيطاليين البقاء في منازلهم، وعدم مغادرتها إلا للضرورة. كذلك، يشمل القرار الجديد تعليق مدفوعات ديون الشركات باستخدام ضمانات حكومية للبنوك وتقديم مزيد من الأموال لمساعدة الشركات على دفع أجور العاملين الذين تقرّر الاستغناء عنهم موقّتاً بسبب الإغلاق العام.
أما ألمانيا أكبر اقتصادات القارة العجوز، فكانت سبّاقة إلى هذه الخطوة، إذ أعلنت الجمعة الماضي، عن أكبر خطة مساعدة للشركات في تاريخها منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، تشمل قروضاً «بلا حدود» لا تقل قيمتها عن 550 مليار يورو، وذلك من أجل التصدي للآثار الاقتصادية لانتشار «كورونا». وقال وزير المالية ونائب المستشارة أولاف شولتز: «لا يوجد حدّ أقصى، تلك هي الرسالة الأكثر أهمية»، في إطار تفصيله لبرنامج المساعدات، وهو أكبر من ذاك الذي وضع لمواجهة أزمة عام 2008 المالية.

أعلنت فرنسا تأميم بعض الشركات إذا اقتضت الحاجة


هذه القروض ستمنح من دون حدود من جانب «بنك الائتمان لإعادة الإعمار العام»، الذي سبق له أن لعب دوراً حاسماً في الحد من آثار الأزمة المصرفية والمالية قبل أكثر من 10 سنوات، إذ يمكن للشركات التي تواجه انخفاضاً في النشاط أو مشاكل في السيولة الاستفادة من تلك القروض.
ولم يستثن وزير الاقتصاد بيتر ألتماير، مساهمة موقّتة للدولة في شركات «استراتيجية» تواجه صعوبات، كشركات القطاع التكنولوجي على وجه خاص. وأكد أن مساعدة الشركات «لن تفشل لا بسبب المال ولا بسبب نقص الإرادة السياسية، وهذا يعني أنه لا يجب أن تواجه الشركات التي هي في حالة جيدة ولا الوظائف، أي صعوبات».
أما في فرنسا، فقد أعلن وزير المالية برونو لو مير، أن الدولة ستخصص عشرات مليارات اليوروهات للتخفيف من التباطؤ الاقتصادي، على أن تطبق بعد ذلك خطة لإعادة تنشيط الاقتصاد في أسرع وقت ممكن. لو مير ذهب أبعد اليوم مع إعلانه أنّ حكومة بلاده مستعدّة لطرق جميع السُّبل لدعم الشركات الكبرى التي تعاني‭‭‭ ‬‬‬بسبب اضطراب الأسواق المالية بما في ذلك التأميم إذا اقتضت الحاجة. وفي مؤتمر صحافي عبر الهاتف قال لو مير: «لن أتردد في استخدام كل السبل المتاحة لحماية الشركات الفرنسية الكبرى». وتابع: «يمكن تنفيذ ذلك من خلال إعادة الرسملة، ويمكن أيضاً من خلال الاستحواذ على حصة، بل يمكن أن أستخدم مصطلح التأميم إذا اقتضت الضرورة».
وبعيداً عن البرّ الأوروبي، تعهّد وزير المالية البريطاني، ريشي سوناك، بإطلاق حزمة حوافز اقتصادية بقيمة 39 مليار دولار، وذلك بعد الاجتماع الطارئ لبنك إنكلترا المركزي لخفض الفائدة.
إسبانيا، ثاني أكثر دولة في أوروبا من حيث عدد الإصابات، خصّصت 20.25 مليار دولار لدعم اقتصادها، وذلك خلال اجتماع استثنائي لمجلس الوزراء. وقال الأخير في بيان، إن هذه الإجراءات والتدابير تتماشى مع مختلف الإجراءات والمقتضيات التي توافقت حولها المنظمات والهيئات الدولية، ولا سيما المفوضية الأوروبية.
كذلك، قال البنك المركزي في السويد إنّه سيُقرض الشركات المحلية ما يصل إلى 51 مليار دولار، من خلال البنوك، للتأكد من توافر الائتمان لديها.
وفي سويسرا، التي أعلنت اليوم حالة الطوارئ بعد الارتفاع السريع الذي شهدته في معدل الإصابات (وصل اليوم الإثنين إلى أكثر من 2330 مريضاً)، أعلنت الحكومة أنّها ستتيح مساعدة فورية حجمها 10.52 مليارات دولار لتخفيف الأثر الاقتصادي لتفشي كورونا.
أما الدنمارك، فقد حصلت على موافقة الاتحاد الأوروبي لتوزيع 15 مليون دولار تقريباً، كتعويض عن خسائر لحقت بأنشطة اضطر أصحابها إلى إلغائها.

«صندوق استثماري»
أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير ليين، أنّ المفوضية ستنشئ صندوقاً استثمارياً للاتحاد الأوروبي بقيمة 28 مليار دولار للتغلب على الأزمة الاقتصادية الناتجة عن فيروس «كورونا». وأشارت إلى أن التمويل سيبدأ بنحو 7.5 مليارات يورو وسيساعد القطاعات الضعيفة بالاقتصاد.
إعلان ليين تزامن مع موافقة البنك الأوروبي للإعمار والتنمية، على تقديم حزمة تضامن بقيمة مليار يورو بهدف مساعدة الشركات في المناطق الموبوءة بالفيروس.