باريس | جرت العادة أن تكون التظاهرات التي تقام في الأول من أيار/مايو من كل سنة، لمناسبة عيد العمال العالمي، استعراضاً تقليدياً لـ«شعب اليسار» في فرنسا، إذ يغلب فيها الجانب الاحتفالي على المنحى المطلبي. تجري التظاهرات، عادة، في أجواء سلمية ذات طابع عائلي. وإلى جانب النقابات العمالية التي تتخذ من هذه التظاهرات مناسبة لرصّ الصفوف، والدعوة إلى توحيد الحركات العمالية، تشكّل جمعيات مناهضة العنصرية ملح هذه التظاهرات، من خلال إقامة تشكيلات متنوعة من الاستعراضات والفعاليات الفنية والاجتماعية الهادفة إلى تثمين قيم الإخاء والحرية والمساواة التي تشكل المرجعية الفكرية للدولة الفرنسية منذ ثورة 1789.

لكن تظاهرات هذه السنة شذّت عن القاعدة، وأفضت إلى أعمال عنف ومواجهات صاخبة مع قوى الأمن، ما جعل العرس العمالي ينتهي في أجواء خانقة من الأدخنة والدموع. منزلق لم يفوّته إيمانويل ماكرون، لوصم التظاهرات النقابية بـ«العنف غير المقبول». فمن أوستراليا، حيث هو في زيارة رسمية، سارع الرئيس الفرنسي إلى التلويح بأن «الأول من أيار/مايو يجب أن يبقى عيداً للعمال وليس للمخربين»، وإلا فإن «هناك حكومة و(أجهزة) دولة عليها أن تدير البلاد، وأن تتصرف بحزم».
في خضمّ الدوامة الإعلامية الصاخبة التي تلت أعمال العنف المذكورة، ساد الانطباع بأنّ التظاهرات النقابية قد وقعت بأكملها، وبمختلف مكوناتها، في منزلقات العنف الراديكالي. وانساقت غالبية وسائل الإعلام الفرنسية، بما في ذلك صحيفة رزينة مثل «لوموند»، إلى الترويج لأخبار «كاذبة» من قبيل أن أشخاصاً مدرجين على لوائح التطرّف «fichiers S» اندسوا بين المتظاهرين، وأنّ غالبية مدبري أعمال العنف والتخريب هم من «جنسيات أجنبية»، وأن هؤلاء وفدوا إلى فرنسا خصوصاً، استجابة لنداءات «تنظيمات راديكالية دولية».
لم تكد تمضي 24 ساعة، حتى دحض وزير الداخلية جيرار كولمب، هذه المزاعم، إذ كشف أنّ من بين نحو 1200 شخص من الشبان الراديكاليين الذين شكلوا الـ Black Bloc الذي اندس في التظاهرات النقابية، ودبّروا أعمال العنف المذكورة، لم يكن هناك سوى 15 شخصاً من جنسيات أجنبية، وشخص واحد فقط مدرج على لوائح التطرف!
مثل هذا النوع من المغالطات التي يُروَّج لها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بهدف تشويه سمعة الحركات النقابية، ليس بالظاهرة الجديدة. فقد سبق أن لجأت حكومة مانويل فالس، مثلاً، إلى ألاعيب دعائية مماثلة، خلال التظاهرات ضد قوانين العمل الجديدة، في ربيع 2016، متهمة المتظاهرين بالتهجم على مستشفى «نيكر» الباريسي المتخصص في طب الأطفال، بهدف إحراقه! الجديد في الأمر أن الأراجيف (الأخبار الكاذبة) التي جرى ترويجها أمس، شكلت سابقة من حيث أن هذه هي المرة الأولى التي تقع في الفخ الدعائي وسائل إعلام جادة كانت تقف حتى الآن في طليعة المنددين بمثل هذه الألاعيب.
الأدهى أن الأمر لم يقتصر فقط في ترويج الأكاذيب الهادفة لتغذية ضغائن العداء للأجانب، واللعب على الوتر الحساس لرهاب التطرّف والإسلاموفوبيا. فقد رافقت حملة الدعاية الإعلامية والسياسية، التي أتبعت بأعمال العنف التي وقعت على هامش مظاهرات عيد العمال، محاولات لـ«شيطنة» الحركات المطلبية. وكان لافتاً أنّ تقارير إعلامية وتصريحات سياسية عدة روّجت أن الـ Black Bloc عبارة عن «تنظيمات» أو «ميليشيات» راديكالية يسارية تريد قلب نظام الحكم بالقوة! ووصل الأمر بزعيمة اليمين المتطرف، مارين لوبن، ورديفها الجمهوري، لوران فوكييه، إلى حدّ المطالبة بحلّ هذا التنظيم، والتنديد بـ«تقاعس الحكومات اليسارية المتتالية وتواطئها مع هذه الميليشيا»!
الجميع يعرف، بالطبع، أن الـ Black Bloc ليس تنظيماً أو فصيلاً أو ميليشيا، بل يتعلق الأمر بظاهرة نشأت منذ التظاهرات المناوئة للعولمة، التي جرت على هامش قمة الدول الصناعية الكبرى في سياتل عام 1999، إذ جرت العادة، في كل التجمعات المعادية للعولمة، أن يتشكل «مربع أسود» يضم فسيفساء من الحركات الشبابية الراديكالية، ذات التوجهات اليسارية والفوضوية والبيئية، بهدف القيام بعمليات «عنف رمزي»، من قبيل تفكيك محلات «ماكدونالدز»، كما حدث أول من أمس في باريس، أو التهجم على «رموز النظام الليبرالي» كالبنوك والمحالّ الكبرى ومقارّ الشركات العالمية.
لماذا حوّلت الماكينة الدعائية قيام شباب «المربع الراديكالي»، في تظاهرات أول من أمس، بمهاجمة وتفكيك محل «ماكدونالد» الواقع في شارع المستشفى الباريسي، إلى محاولة لقلب نظام الحكم؟ وما الهدف من الترويج بأنّ الـ Black Bloc ميليشيا يسارية عنيفة يجب حلها؟ ولماذا تأخرت قوات الشرطة، لأكثر من ساعة كاملة، قبل التدخل لوقف أعمال التخريب؟
أياً تكن الأجوبة عن هذه التساؤلات، فمن الواضح أنّ هناك من يسعى إلى صبّ الزيت على النار، عشية سلسلة من التظاهرات النقابية البارزة المرتقبة في العاصمة الفرنسية، طوال شهر أيار/مايو الجاري. أولى هذه التظاهرات ستُقام هذا السبت، ويُخشى أن تتحول إلى ما يشبه «جولة إعادة» بين قوات الأمن والحركات الشبابية الراديكالية. منزلق تتخوف التنظيمات النقابية من استغلال الحكومة له، لتأليب الرأي العام على الحركات المطلبية التي تشهدها البلاد منذ مطلع السنة الحالية، بهدف التصدي للتشريعات الليبرالية المغالية التي يُعدّ لها الفريق الماكروني الحاكم.
المحزن في بلد فيكتور هوغو أن نرى الماكينة الإعلامية تتجند كرجل واحد لشيطنة شباب الـ Black Bloc، بحجة الدفاع عن مبدأ «احتكار الدولة للعنف الشرعي»، في الوقت الذي يلتزم فيه الجميع الصمت، منذ أسابيع، حيال ما تقوم به ميليشيات «القمصان السود» الحقيقية، المنتمية إلى فصيل Bloc identitaire اليميني المتطرف، إذ يجوب عناصرها المعابر الجبلية في منطقة «الألب»، ليلاً، محمّلين بالهراوات، لصدّ جموع المهاجرين غير الشرعيين الذين يحاولون التسلل إلى البلاد!