الوضع، عموماً، أشبه بتعبير «لا تندهي ما في حدا». في اليوم العالمي للأرصاد الجوية، يمكن القول إن الحالة الجيولوجية والبيولوجية الـ«حَرِجة» لكوكب الأرض، بعد تعرُّض نظمه البيئية إلى خلل متنامٍ منذ أواسط القرن الماضي، تشي بأن فُرص تدارك الوضع أُهدرت بالكامل، طالما أن موعد اتّخاذ الإجراءات الوقائية الضرورية فات أوانه قبل خمسين عاماً، حين كان الحديث عن الإصلاح والترميم ممكناً؛ أي عندما كان باستطاعة الدول الصناعية الكبرى تطبيق توصيات مؤتمر ستوكهولم (عقد عام 1972)، مثلاً، في إطار تقليص احتمالات ارتفاع مستويات غازات الاحتباس الحراري في الغلاف الجوي، حتى قبل أن يشيع مصطلح «الاحترار العالمي» أواخر السبعينيات.

عملياً، لم يكتسب المصطلح الأخير شهرةً كتلك التي اكتسبها «ثقب الأوزون» لدى اكتشافه عام 1985. إذ أن بدايات أزمة التغيّر المناخي تنحصر، في ذهنية الغالبية، بتاريخ اكتشاف ذاك الثقب الشهير الذي أصاب طبقة «الأوزون» فوق القارة القطبية الجنوبية، والناجم عن ملوّثات النشاط البشري بشكلٍ أساسي. مع الوقت، تحولت ظاهرة «الأوزون» من نتيجة إلى عامل «مُساهِم» في ارتفاع نسبة الاحترار العالمي، لما أتاحه الثقب من تسرب للأشعة ما فوق البنفسجية إلى داخل الأرض، وتالياً احتباس الحرارة بدرجة أعلى. على أثر هذا التحوّل، نشأت علاقة دائرية بين الثقب والاحتباس الحراري، بحيث يغذي الطرفان كل منهما الآخر كلّما ارتفعت حرارة اليابسة. ووفقاً لهذه المعادلة المتجدّدة مع استمرار حرق الوقود الأحفوري، ترتفع تركيزات الغازات الدفئية المنبعثة منه أكثر، فتصل إلى مدى أعلى وأعمق داخل طبقة «الأوزون».

الأثر البشري: نقطة التحوّل
في المحصلة، النتيجة التي يمكن تأكيدها على عتبة أفول العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، هي أن التغيّرات التي تسبّب بها الإنسان جرت بشكلٍ فائق السرعة قياساً لتغيّرات الطبيعة (العوامل المؤثرة على درجات الحرارة العالمية تتضمن انبعاثات البراكين، التغيرات في الدورات الشمسية والتغير أيضاً في مدار الأرض الذي يُغير بدوره كمية الأشعة الشمسية التي تصل إلى الأرض)؛ ذلك أن النشاط البشري أسفر عن ارتفاع درجات الحرارة العالمية بمقدار 1.1 درجة سلسيوس قياساً بفترة ما قبل العصر الصناعي. وهذا الارتفاع أدى، بدوره، إلى اختفاء مساحات هائلة من الكتل الجليديّة القطبيّة وارتفاع مستويات سطح البحر، وهي ظواهر مرشّحة للتزايد بوتيرة متسارعة.
بحسب الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ (IPPC)، يتجه العالم، وفق مساره الحالي، نحو تسجيل ارتفاع في درجات الحرارة بنحو «ثلاث درجات مئوية بحلول عام 2100»، على أن يصاحب هذا الارتفاع تفاقماً سريعاً في وتيرة الآثار الخطرة المرتبطة بالطقس، أبرزها: موجات الحر، موجات البرد، حرائق الغابات، الجفاف، فيضانات الأنهار، الفيضانات الساحلية والعواصف. صحيح أن ثقب «الأوزون» بدأ يتقلص بشكلٍ ملحوظ، وفق نتائج جديدة أكدتها إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، خصوصاً بعد التزام أعضاء الأمم المتحدة بتوصيات «معاهدة مونتريال» (1987) التي قضت بالحد من استخدام مركبات الكلوروفلورو-كربون (CFC).
إلا أن تركيزات ثاني أوكسيد الكربون بلغت اليوم مستوى قياسياً لم تبلغه الأرض منذ ملايين السنين (تجاوزت حد 400 جزيء بالمليون وهو ارتفاع تبلغ نسبته 43%)، وهي آيلة إلى ارتفاع يمكن أن تصل مستوياته إلى 2000 جزيء بالمليون خلال قرنين! وعليه، فإن زيادة انبعاثات هذا الغاز أثرت على الأنظمة الحيوية في المحيطات والبحار، بحيث أن ارتفاع درجات حرارة المحيطات أفقدها المزيد من الأوكسيجين. وبما أن المحيطات امتصت ما يفوق 40% من ثاني أكسيد الكربون الناتج عن احتراق الوقود الأحفوري وصناعة الإسمنت خلال 150 عاماً الأخيرة، ارتفعت في المقابل نسبة الملوحة فيها، ما تتسبب في تباطؤ نمو العوالق البحرية والمرجان التي تشكل المستوى الأساسي في التسلسل الغذائي للمحيطات. وعليه، فإن ضرب النظم الحيوية للمحيطات سيكون عاملاً مؤثراً لتضخيم تأثير الاحتباس الحراري عالمياً.

عواقب وتداعيات «قاتلة»
خلاصة ما يشير إليه تقرير التقييم الخامس للفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ، هو أن الطقس تطور إلى قوة طبيعية مميتة، كما أظهرت الأعاصير الأخيرة التي ضربت، أواخر العام الماضي، منطقة الكاريبي وخليج المكسيك على سبيل المثال لا الحصر. والحال أن الاعتماد على الأرصاد الجوية، في الأعوام المقبلة، لتجنّب مخاطر الاضطرابات الجوية المفاجئة كإعصاري «هارفي» و«إيرما» المصنفان في الفئة 5، وأمواج «تسونامي» القاتلة مثلاً سيكون بمثابة المجازفة، خصوصاً مع ارتفاع متوسط مستوى مياه البحار بمعدل 3,2 مليمترات في السنة، يساوي ضعف ذاك المسجل في القرن العشرين (1,6 مليمتر في السنة)». نتحدث هنا عن سيناريوهات محتملة يصعب التنبؤ بها، تفاديها والتحكم في مساراتها، كتلك التي أصابت اليابان عام 2011، حينما ضربت ارتجاجات الأمواج العاتية محطة فوكوشيما داييتشي النووية لتوليد الطاقة الكهربائية، مما أدى إلى انصهار قلب عدد من المفاعلات، وتدمير قرى بأكملها، في ما عُرف بأسوأ كارثة نووية في العالم بعد كارثة مفاعل تشرنوبل السوفياتي. وثمة من ناحية أخرى، موجات الحرارة وحالات الجفاف الشديدة التي تهيئ لنشوب حرائق هائلة، كتلك التي شهدتها ولاية كاليفورنيا الأميركية وأودت بحياة العشرات. وهي، عملياً، مؤشرات تنذر بحقبة قاتمة تقودها سرعة التغيّرات المناخية، التي ستزيد بدورها من صعوبة التكيف مع تأثيراتها السلبية والكوارث البيئية الناجمة عنها.

الوقود الأحفوري

بقايا كائنات حية (نباتات وحيوانات) دُفنت في جوف الأرض منذ ملايين السنين. ونتيجةً لعوامل جيولوجية عدة، منها الحرارة والضغط الشديدين، تركّزت مادة الكربون فيها وتحولت، إلى وقود أحفوري يستخدم لإنتاج الطاقة الأحفورية. يستخرج الوقود الأحفوري من المواد الأحفورية كالفحم الحجري، الفحم النفطي الأسود، الغاز الطبيعي والبترول.


اتّفاق باريس

عام 2015، اتفق 195 بلداً خلال مؤتمر المناخ الذي عقد في باريس على الحد من ارتفاع درجة الحرارة إلى أقل من درجتين. الاتفاق الذي دخل حيّز التنفيذ في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، بعد مرور بضعة أشهر على اعتماده في الدورة الحادية والعشرين لمؤتمر الأطراف، يلزم موقعيه بالسعي إلى مواصلة الجهود لئلا يتجاوز معدل حرارة الأرض1,5 درجة، الأمر الذي يفرض تقليصاً شديداً لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري باتخاذ إجراءات للحد من استهلاك الطاقة والاستثمار في الطاقات البديلة واعادة تشجير الغابات. وبحلول الدورة الرابعة والعشرين لمؤتمر الأطراف التي ستُعقد في بولندا أواخر عام 2018، يتعيّن على الدول الأطراف صياغة مجموعة من القواعد والآليات بشأن تنفيذ بنود اتفاق باريس واعتمادها.



لبنان (ليس) بخير
التقرير الوطني الثالث للبنان بشأن تغيّر المناخ، الذي أُطلق أواخر العام 2016، يبيّن التأثيرات الكارثية على الغطاء الثلجي، الذي سينخفض بنحو %40 بحلول عام 2040 مع ارتفاع معدل درجات الحرارة بين درجة على الشاطئ ودرجتين في الداخل. وكما الثلوج، يشير التقرير إلى انخفاض في كمية الأمطار سنوياً بنسبة 10 إلى 20% لتصل إلى 45% عام 2090، الأمر الذي سيتدرك تداعيات قاسية على السياحة الشتوية في لبنان. ونتيجةً لامتداد فترات الجفاف في البلاد لفترة أطول بتسعة أيام بحلول العام 2040 و18 يوماً بحلول العام 2090، سيكون القطاع الزراعي الأكثر تضرراً يليه الأمن الغذائي، ذلك أن التراجع الكبير بنسبة المياه سيرتد سوءاً على العديد من القطاعات الانتاجية الزراعية التي ترتكز على المياه الجوفية للري في مواسم الصيف.



الغازات الدفيئة
تعتبر المسؤولة عن ظاهرة الاحتباس الحراري. حتى الثورة الصناعية، لم يكن تركيز الغازات الدفيئة يتجاوز المعدلات الطبيعية. إلا أن ارتفاع تركيزاتها في الغلاف الجوي خلال السنوات المئتين والخمسين الماضية، والذي يعود بمعظمه إلى النشاطات البشرية، أدى إلى ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية على الأرض إلى مستويات قياسية، وتالياً إحداث نقص كبير في كمية غاز الأوزون. ويمكن تلخيصها في ما يلي: غاز ثاني أكسيد الكربون (الناتج عن احتراق الوقود ومصادر انبعاث الدخان مثل عوادم السيارات والمصانع وحرائق الغابات)، غاز الميثان الذي ينتج من الثروة الحيوانية (CH4)، غاز الأوزون (O3)، غاز «الكلوروفلور-كربون» وغيرها.