القاهرة | لم يَعُد التضييق الحكومي على الجمعيات الأهلية مقتصراً على تقييد النشاط الميداني للمنظّمات الحقوقية من بينها، بل تعدّاه إلى ما يشبه عملية تأميم غير رسمية للجمعيات المعنيّة بمساعدة الفقراء، لكن ليس من أجل هؤلاء، بل بغرض رفد خزينة الدولة بمورد إضافي، في ظلّ اشتداد حدّة الأزمة الاقتصادية في البلاد. إذ يعمل النظام، من خلال سيطرته على أموال التبرّعات، والمقدَّرة بأكثر من 60 مليار جنيه سنوياً، على حجب جزء رئيسيّ من تلك الأموال عن مستحِقّيها في إطار سياسة «ترشيد الدعم»، وفي المقابل تحويله للتخفيف من أعباء الموازنة وإيجاد مورد إضافي لتنفيذ مشروعات الرئيس عبد الفتاح السيسي «التنموية»


قبل أيام، تفاخرت وزارة الهجرة المصرية بإعادة مواطن من السعودية برفقة عائلته على متْن طائرة خاصة من أجل علاج طفلته. وقبل ذلك بأسابيع قليلة، تفاخرت الحكومة أيضاً بإنجاز مشروع إسكان تحت مظلّة مؤسّسة «حياة كريمة». على أن هذَين «الإنجازَين» وغيرهما ممّا تقول السلطات إنه نِتاج جهودها لتحسين حياة المواطنين، ليست إلّا من أموال هؤلاء المدفوعة طوعاً كتبرّع للجمعيات الأهلية. ويأتي ذلك في إطار تَوجُّه النظام للسيطرة بشكل كامل على أموال التبرّعات السنوية، وإدخالها في الموازنة العامة للدولة بشكل غير مباشر وبقرارات رئاسية. وبينما تغيب الأرقام الرسمية عن إجمالي هذه الأموال، سواء كانت لجهات رسمية أو غير رسمية، إلّا أن الرقم يُقدَّر بأنه يتجاوز 60 مليار جنيه، ما بين زكوات ومساعدات للفقراء والمحتاجين.
وكان النظام قد بدأ، منذ وصول الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، مساعي لـ«ضبط» تبرّعات المصريين، بدءاً من محاولة تعويض الدور الخدمي الذي كانت تقوم به جماعة «الإخوان المسلمون» عبر توفير دعم مالي للأسر المحتاجة، مروراً بمحاولة مراقبة الأموال التي تستخدمها الجمعيات الأهلية ومن بينها المنظّمات الحقوقية التي أبدى بعضها معارضة للنظام، وصولاً إلى مراقبة كيفية إنفاق تلك الأموال. ومع ذلك، لم تُبدِ الدولة في السنوات الماضية أيّ تَدخُّل في أوجه الإنفاق، وخصوصاً أن القانون ينصّ على تَقدُّم الجمعيات الأهلية بمصاريف إنفاقها لوزارة التضامن الاجتماعي، ليجري إخضاعها للرقابة من قِبَل الجهاز المركزي للمحاسبات، وهو أمر معمول به منذ عقود.
لكن مع بداية جائحة «كورونا»، بدأت الحكومة تنْظر بشكل مختلف إلى مصاريف الجمعيات الأهلية وتبرّعاتها، وخاصة مع تراجُع ومن ثمّ تَوقُّف التبرّعات المالية لمصلحة صندوق «تحيا مصر» الذي أطلقه السيسي في تموز 2014، وجمع أموالاً من رجال أعمال بالملايين، قبل أن يبدأ التشكيك في جدواه وأولوياته وخاصة مع انخراطه في مشاريع تابعة للدولة مِن مِثل إعادة بناء المناطق العشوائية. وتتطلّع الحكومة، من وراء الاستحواذ على أموال الجمعيات أو على الأقلّ نسبة منها، إلى التخفيف من أعباء الموازنة وإيجاد مورد إضافي لتنفيذ مشروعات السيسي «التنموية»، فضلاً عن أن تلك الأموال أصبحت مصدراً رئيسيّاً لمساندة الفقراء، وهو ما أعلنه بوضوح رئيس الحكومة، مصطفى مدبولي، لدى حديثه عن التمويل الآتي من «التحالف الوطني للعمل الأهلي والتنموي».

يسعى النظام إلى تشجيع الجمعيات على تعميق انخراطها في مشروع «التعاون مع الدولة»


وعلى هذه الخلفية، جرى إيقاف عمليات التبرّعات في المساجد، والتي كانت تُدار بشكل غير مؤسَّسي عبر المشايخ الموجودين في كلّ منها. كما عملت وزارة التضامن الاجتماعي على حصْر المستفيدين من مساعدات الجمعيات الأهلية، في برنامج تمّ العمل عليه على مدار عامَين تقريباً، وبرّرته الوزارة بضرورة إحقاق العدالة في التوزيع، فيما الواقع يقول إن الحصر كان هدفه تحصيل قاعدة بيانات متكاملة عن جميع مصادر الدخل الخاصة بالعائلات الفقيرة والمتوسّطة التي تحصل على مساعدات من الجمعيات، بهدف إقصاء بعضها خارج منظومة الدعم، أو استقطاع جزء ممّا تحصل عليه لمصلحة عائلات أخرى بدلاً من تحميل موازنة الدولة أعباء دعم جديدة.
يُذكر أنه في مطلع العام الجاري، وبرعاية المخابرات، تَشكّل «التحالف الوطني للعمل الأهلي والتنموي» من أغنى 24 جمعية ومؤسّسة أهلية، ليُضاف إلى مؤسّسة «حياة كريمة» و«الاتحاد العام للجمعيات والمؤسّسات الأهلية». وبموجب ذلك، أصبحت أموال أعضاء التحالف لدى الدولة وفي خدمتها، إلى درجة أن قادته اجتمعوا مع  السيسي بحضور مدير المخابرات العامة، اللواء عباس كامل، مطلع الشهر الماضي، لتقديم مساهمتهم في دعم الحكومة للفقراء. ويضمّ التحالف عدداً من المؤسّسات ذات الصيت، التي تتلقّى مليارات الجنيهات كتبرّعات، ومن بينها مؤسّسة «بيت الزكاة» التي يشرف عليها شيخ الأزهر وتحظى بصدقية كبيرة، بالإضافة إلى جمعيات أخرى مهمّة مِن مِثل «بنك الطعام المصري» وجمعية «الأورمان» التي يديرها اللواء ممدوح شعبان، صاحب المقولة الشهيرة أمام السيسي «محدش فقير في مصر»، فيما تُراعي الحكومة أوجه إنفاق كلّ مؤسسة بما يتناسب مع توجّهاتها وجمهورها الذي يقوم بالتبرّع لها.
وتقضي التوجيهات الرسمية بعدم إبراز أسماء الجمعيات، خشية أيّ دعوات إلى مقاطعة التبرّع لها على خلفيّة انخراطها في العمل مع الحكومة، بل و«تَزيُّن» كلّ مشروع تقوم بتنفيذه باسم السيسي باعتباره صاحب التوجيه. كذلك، تخشى عدّة جمعيات من فرْض قيود عليها حال رفضها سداد ما تطلبه منها الحكومة، وهو ما اضطرّ بعضها إلى الانخراط اسمياً من دون مساهمات فعلية حتى الآن، علماً بأن الرقابة على أموال المنظّمات الأهلية لا تقتصر على الحكومة فقط، بل تشاركها في ذلك المخابرات أيضاً. وتُراقب وزارة التضامن الاجتماعي أوجه الإنفاق النقدي لمصلحة الأسر الفقيرة، بما يضمن عدم زيادة نصيبها عن سقف مالي معيّن، مع استعجال استبعاد بعضها حال تحسُّن وضعها المالي ولو بشكل مؤقّت، وفرض قيود صارمة بشأن إضافة الأسر الجديدة أو حتى إعادة أسر قديمة إلى قوائم المستفيدين. في المقابل، يسعى النظام إلى تشجيع الجمعيات على تعميق انخراطها في مشروع «التعاون مع الدولة». وفي هذا الإطار، يجري ترْك المشروعات المحلّية في بعض القرى، مِن مِثل وصلات المياه والصرف الصحّي، للجمعيات لتنفيذها، لكن ضمن خطّة الدولة، ووفق المعدّلات وقرارات الإسناد التي تراها الحكومة، وبحسب جدول زمني تشرف عليه الأخيرة، وهو ما ينطبق على مشروعات مبادرة «حياة كريمة».