القاهرة | في تجلٍّ إضافي لحالة الانفصام التي تعيشها الدولة المصرية، وفي وقت يتسارع فيه العمل على إقرار إجراءات تقشّف سيكون من شأنها تعميق معاناة المواطنين، يتواصل صرْف ملايين الجنيهات على مشاريع إعلامية ضخمة لا يبدو أن ثمّة حاجة فعلية إليها، سوى في تبييض صورة النظام داخلياً وخارجياً. وبينما بدأت تفوح من تلك المشاريع روائح فساد ومحسوبيات، يبدو أن بعضها سيكون مهدّداً بالتوقّف في ظلّ استمرار سُخط تركي آل الشيخ على المخابرات المصرية التي تدير الملفّ الإعلامي، وهو ما ينذر بإمكانية تعطُّل التمويل السعودي لخُطط توسيع القنوات الإخبارية خصوصاً


بينما تصبّ الحكومة المصرية تركيزها على هندسة إجراءات التقشّف المنتظَرة في إطار معالجة الأزمة الاقتصادية الخانقة، يشتعل تنافُس على «فائض الأموال» داخل «الشركة المتّحدة للخدمات الإعلامية» التي أسّستها المخابرات للتحكُّم في وسائل الإعلام. وتنقسم الشركة، التي عُيِّن رئيسها حسن عبد الله قائماً بأعمال رئيس البنك المركزي قبل أيام، إلى فريقَين: الأوّل، مسؤول عن البرامج الترفيهية والمنوّعات؛ والثاني مسؤول عن القطاع الإخباري، وكلاهما يخطّط لإنفاق ملايين الجنيهات في غضون الأسابيع المقبلة، وسط حالة بذخ كبير، ونشوء شبكاتٍ لتوزيع الأموال على المؤيّدين والتابعين، وإبعاد أهل الكفاءة تدريجياً. ويخطّط الفريق الأوّل، الذي عُيِّن كامل أحمد فايق مسؤولاً عنه، لإطلاق برامج متنوّعة بميزانيات ضخمة، بالاستفادة من تجربة فايق كمقدّم لبرنامج «مصر تستطيع»، إضافة إلى خِبرته في رئاسة تحرير برنامج «صاحبة السعادة» لإسعاد يونس. وستعتمد ميزانيّات تلك البرامج على التمويل الخليجي، حيث أصبحت العقود المرتقَب توقيعها مع القنوات السعودية والإماراتية في هذا الصدد شبه مكتملة، فيما يجري توسيع لائحة الضيوف، والاتفاق المسبَق معهم على الظهور في أكثر من برنامج في مقابل الحصول على أجور أقلّ - وهي سياسة وإن كان ظاهرها الترشيد، فإن باطنها هو زيادة نسبة العمولات التي يتمّ تحصيلها في الخفاء -، فضلاً عن التصالح مع بعض الوجوه التي كانت الشركة قد غضبت عليها في أوقات سابقة من إعلاميين أو فنانين. ومن بين المشاريع الجديدة، برنامج للمطربة أنغام التي دخلت على خطّ الوساطة بين المخابرات ورئيس «هيئة الترفيه» السعودية، تركي آل الشيخ.
أمّا القطاع الإخباري، فيرأسه أحمد الطاهري، رئيس تحرير مجلة «روز اليوسف»، والذي صعد بسرعة صاروخية داخل «الشركة المتّحدة» ليُضحي مسؤولاً عن جوانب مالية وإدارية فيها، بعدما دخلها نائباً لرئيس قناة «إكسترا نيوز» التي أطلّ على شاشتها مُقدّماً برنامج «كلام في السياسة»، ثمّ «الحوار الوطني» الذي أعاد من خلاله عدداً من الوجوه المعارضة التي مُنعت من الظهور لسنوات، في إطار العمل على تحسين الصورة الحقوقية قبيل قمة المناخ. ولم يكن تعيين الطاهري رئيساً للقنوات الإخبارية في الشركة، مع تبعيّته مباشرة لرئيس مجلس إدارتها، في السابع من تموز الماضي، مفاجأة يتيمة، بل تبعتها مفاجآت أخرى بدأت باستبعاد شخصيات عدّة كان لها دور رئيس في الفترة الماضية مِن مثل خالد مرسي وألبرت شفيق، مروراً بالإعلان عن إطلاق شبكة قنوات إخبارية موزّعة بين واحدة إقليمية وأخرى دولية وثالثة للبثّ المباشر، وصولاً إلى إلحاق العشرات من الشباب المحسوبين على «تنسيقية شباب الأحزاب» والأحزاب المؤيّدة للنظام، بالأمر المباشر، بالعمل في تلك الشبكات ما بين مناصب قيادية، أو ضيوف ثابتين مقابل مبالغ مالية تُدفَع شهرياً أو أسبوعياً. واللافت أن هذه المبالغ تتفاوت بحسب هويّة الضيف ومدى قُربه من دوائر بعينها، علماً بأن القائمة تشمل أيضاً صحافيين وأعضاء في مجلس النواب على غرار فريدة الشوباشي، فضلاً عن بعض الأسماء التي يريد النظام تعويضها كالكاتب عبد الحليم قنديل الذي سُجن في بداية حُكم عبد الفتاح السيسي. وينسحب الحال كذلك على مدينة الإنتاج الإعلامي والتلفزيون المصري، اللذين شهدا أخيراً تعيينات جديدة تنتظر تصديق الجهات الأمنية عليها بناءً على مدى ولاء أصحابها للسيسي.

تشهد «الشركة المتحدة» حالة بذخ كبير، ونشوء شبكاتٍ لتوزيع الأموال على المؤيّدين والتابعين


ويستغلّ الطاهري، الذي يدير أيضاً القناة الأولى في التلفزيون المصري التي أصبحت تابعة لـ«الشركة المتّحدة» عملياً، موقعه من أجل التسويق لإنجازات مفترَضة. إذ تحفل الصحف بمقالات حول ما يقوم به، في مقابل مكافأة أصحاب تلك المقالات سواء بالظهور كضيوف أو حتى بالتعيين في المجموعة، فيما تحوز مجلّة «روز اليوسف»، حتى بعناوينها وموضوعاتها القديمة، نصيباً بارزاً من الشاشة. ودخل إلى القطاع الإخباري الذي أسّسه الطاهري، خلال أيام قليلة، عشرات الموظفين برواتب متفاوتة بحسب خلفيّاتهم، على رغم أنهم يؤدّون المهامّ نفسها تقريباً، فيما جرى تهميش العاملين في القطاع منذ سنوات - مع احتفاظهم برواتبهم من دون عمل أو في مقابل أعمال بسيطة -، باستثناء المجموعة المقرّبة منه والتي أسندت إليها مناصب قيادية، مِن مِثل إدارة محطّة «إكسترا نيوز» التي سُلّمت إدارة البرامج فيها مثلاً لرئيس تحرير برنامجه (يُتوقّع أن يحظى المقرّبون بمناصب أعلى في قناة «القاهرة» الإقليمية التي يجري التحضير لإطلاقها). وتسود أوساطَ العاملين حالةٌ من السخط بسبب تعمُّد الطاهري إهانتهم، والحديث إليهم بصوت مرتفع، في ما يفسّرونه هم بمحاولته التغطية على ضعفه في الإدارة، وقصوره عن التعامل مع الأمور الطارئة مقارنةً بِمَن سبقوه، وهو ما يسعى إلى تعويضه أيضاً بالاستعانة بخبرات سابقة من التلفزيون المصري، وتحديداً الشخصيات التي تخطّت الستّين من العمر ولا ترغب في أدوار قيادية. كذلك، يستغلّ الطاهري موقعه لتصفية حسابات مع خصومه، عبر منعهم من الظهور حتى لو كانوا محسوبين على جهاز المخابرات، كما فعل مع محرّر الرئاسة السابق ورئيس تحرير موقع «الموقع» محسن سميكة، ورئيس تحرير جريدة «الجمهورية» عبد الرازق توفيق، ورئيس تحرير جريدة «روز اليوسف» أحمد باشا.
وإلى جانب أداء الطاهري الذي يتسبّب بهذا الاحتقان الداخلي، تَبرز مشكلة تعدُّد المشاريع المعلَن عنها من دون وجود كفاءات لإدارتها، فضلاً عن الأخطاء التي تعتري عملية إذاعة الأخبار، وآخرها بثّ خبر تعيين محافظ البنك المركزي السابق، طارق عامر، مستشاراً للرئيس قبل أن يعلن اعتذاره عن المنصب، علماً بأن الرئاسة تعتمد في النشر، بالدرجة الأولى، على قنوات «المتحدة»، في محاولة لإحداث صدى وحمْل وسائل الإعلام العالمية على النقل عنها. ويُضاف إلى نقص الكفاءات، احتمال توقُّف التمويل السعودي الذي كان يُفترض ضخّه في الفترة المقبلة، وذلك على خلفية توتُّر العلاقات بين المخابرات وتركي آل الشيخ، بسبب موقف «الشركة المتحدة» المسانِد لطليقة الأخير، المُطربة آمال ماهر، والحملات التي تعرّض لها من اللجان الإلكترونية التابعة للمجموعة عبر مواقع التواصل المختلفة، ردّاً على حملته ضدّ حفل ماهر. ومن بين المشاريع التي يتهدّدها «غضب» آل الشيخ، القناة الإقليمية العتيدة، والتي يُفترض أن تكون للجانب السعودي فيها حصّة حاكمة لا تقلّ عن 51%.