القاهرة | بعد أقلّ من أربعة أيام على مغادرة بعثة «صندوق النقد الدولي» القاهرة، حرّكت الحكومة المصرية رسمياً، أمس، أسعار المحروقات، بموجب قرار من لجنة التسعير التلقائي التي تنعقد كلّ ثلاثة أشهر للنظر في هذه الأسعار، وإمكانية زيادتها أو خفضها في ضوء المؤشّرات العالمية. قرار الأمس، وإن لم يكن مفاجئاً في توقيته، فإن تفاصيله تشير إلى كونه جزءاً من تحرّكات الحكومة الهادفة إلى خفض عجز الموازنة، واتّخاذ المزيد من إجراءات تحسين الأداء الاقتصادي التي يطالب بها «صندوق النقد» للموافقة على قرض استثنائي جديد. ويُعدّ تحريك أسعار المحروقات، وزيادة أسعار الكهرباء التي أرجئت إلى بداية العام المقبل بعدما كانت مقرَّرة الشهر الحالي، وتحريك سعر الصرف مجدّداً، وترك تحديد قيمة العملة للعرض والطلب، شروطاً أساسية يطالب بها الصندوق من أجل «دعم برنامج الإصلاح الاقتصادي» الذي تتبنّاه الحكومة. ومن هنا، يُرتقب أن يتحرّك، للمرّة الثانية، سعر الصرف الذي انخفض بأكثر من 20% منذ آذار الماضي.

وجاءت الزيادة التي ينصّ القانون على أن تكون في حدود 10% صعوداً وهبوطاً، الأعلى منذ تشكيل لجنة التسعير التلقائي قبل أكثر من ثلاثة أعوام. وزادت اللجنة أسعار السولار والبنزين بمختلف أنواعهما بواقع 50 قرشاً، وسعر البنزين 95 جنيهاً واحداً، في مخالفة واضحة للنسبة التي حدّدها القانون. ورَاوحت الزيادة، وهي الثالثة في عام 2022، بين 7 و12%، وقد تمّ تطبيقها بأثر فوري، وشملت للمرّة الأولى منذ عام 2019، السولار الذي كان يتمّ تجنّب زيادة سعره في الفترات السابقة، فيما يُتوقَّع أن يؤدي تحريك قيمته إلى قفز التضخّم بنسبة 2% بأساس شهري على الأقلّ. وظهر أثر تحريك الأسعار سريعاً؛ إذ أعلن وزير التنمية المحلية، محمود شعراوي، رفع تعرفة ركوب وسائل النقل العام في جميع المحافظات بقيمة 50 قرشاً (الجنيه = 100 قرش)، حتى تتناسب مع الزيادة المُطبَّقة في أسعار الوقود، والتي لم تراعِ وجود زيادات أخرى مرتبطة بقطع الغيار الخاصة بالسيارات، والتي قفزت أسعارها بنسبة تصل إلى 100%.

جرى رفع أسعار المواصلات عقب زيادة أسعار البنزين والسولار


وسيكون القرض الذي حصلت القاهرة على موافقة مبدئية بشأنه هو الرابع منذ عام 2016، وذلك بعدما حصلت على قرض بقيمة 12 مليار دولار على 3 سنوات في العام المذكور، ثمّ قرضَين آخرين في عام 2020 بقيمة تقترب من 8 مليارات دولار من أجل مواجهة تداعيات جائحة «كورونا»، فيما انخفض احتياطي مصر من النقد الأجنبي بنحو 10 مليارات دولار، على رغم المساعدات الخليجية خلال الفترة الماضية. وتقدّر الحكومة المصرية التي تَستخدم الاحتياطي النقدي في الاستيراد، احتياج البلاد إلى نحو 10 مليارات دولار شهرياً بعد الارتفاع الكبير في الأسعار وتكاليف الشحن نتيجة الحرب الروسية - الأوكرانية، علماً أن عمليات تضييق واسعة النطاق تجري على الاستيراد منذ أسابيع، وأدّت إلى نقص في الأدوية المستوردة وتعطُّل مصانع، وعرقلة إدخال منتجات مستورَدة تأتي في مقدّمتها السيارات التي قفزت أسعارها بصورة غير مسبوقة نتيجة نقص العرض.
وتعاني الحكومة من فجوة تمويلية تصل إلى 18 مليار دولار تقريباً بنهاية العام المالي الجاري في 30 حزيران 2023، وهو رقم كبير تعوّل على تعويضه من عمليات بيعٍ وشراكات في عدد من القطاعات التي تمتلكها وتديرها، إلى جانب القرض الجديد من «صندوق النقد الدولي»، في حين سيكون على البنك المركزي سداد مليارات الدولارات في تشرين الأول وشباط المقبلَين. ولا ينوي البنك التخلُّف عن سداد أيّ ديون تحت أيّ ظرف، في قرار سياسي اتّخذه الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهذا ما دفع إلى دراسة بدائل لتأمين تسديد الديون، من بينها موافقة الحكومة على مضض على طرح سندات دولارية بفائدة مرتفعة، وهو خيار لم تكن تحبّذه، ولكنّها اضطرّت للجوء إليه عبر طرح أذون خزانة لأجل عام بفائدة 15% على الجنيه، قبل إجازة عيد الأضحى مباشرة.
حتى الآن، ليست ثمّة رؤية حكومية واضحة للتعامل مع التداعيات الاقتصادية للأزمة العالمية، على رغم ما جرى إعلانه في مؤتمر صحافي قبل أسابيع، من بيع وطرح أصول للاستثمار بقيمة 10 مليارات دولار سنوياً. ولا تمتلك الحكومة التي يفترض أنها باقية حتى نهاية العام الجاري، أيّ خطط مستقبلية يمكن أن تشرحها للرأي العام، فيما يخشى المواطنون من ارتفاع جديد في الأسعار في المراحل المقبلة.