القاهرة | عبر جلسات عدة خلال الأسبوع الجاري، وأخرى ستستمرّ في الأسابيع المقبلة، يواصل مجلس النواب المصري مناقشة مشروع موازنة العام المالي الجديد الذي ينطلق في الأول من تموز/ يوليو المقبل، وهي مناقشات صورية جرّاء تجنّب البرلمان المنتخب أعضاؤه بدعم من أجهزة أمنية إجراءَ أيّ تعديلات جوهرية، بل يُنتظر أن يمرّروا مزيداً من الضرائب، ويوافقوا على القروض لتخفيض عجز الموازنة، وتسديد قروض قديمة!

اللافت هي الصراحة التي أظهرتها الحكومة في السعي إلى تحقيق أرباح من جيوب المواطنين، عبر إعلان ما يسمّى «المرحلة الثانية من البرنامج الإصلاحي الاقتصادي والاجتماعي». خطوة تقول الحكومة إنها ضرورية للمحافظة على معدّلات النمو الاقتصادي وتحسينها، والاستفادة من نتائج سياسات الإصلاح التي أصلاً رفعت الفقر بأكثر من 30% بحسب البيانات الرسمية. وتستهدف هذه المرحلة ما سمّته الحكومة «إصلاحات هيكلية لبعض القطاعات التنموية»، لكنها ستعمد إلى فرض مزيد من الرسوم على جهات خدمية، بما يضمن التوقّف عن الحصول على دعم مادي من الدولة تحت أيّ مسمّى في غضون السنوات الثلاث المقبلة، وهو ما يخفّف متطلبات الإنفاق العام ويحوّل الهيئات الخاسرة إلى رابحة تغطّي نفقاتها ورواتبها.
بات واضحاً تراجع الدولة عن مسؤوليتها تجاه الفئات الأقلّ دخلاً. وعلى رغم زيادة بند الأجور بسبب الزيادات الدورية، انخفض بند الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية، بجانب انخفاض الدعم المخصّص للوقود بقيمة تتجاوز 10 مليارات جنيه، مقابل زيادة المخصّصات لميزانيات جهات عدّة لا تكشف تفاصيلها مثل وزارة الدفاع ومجلسَي النواب والشيوخ، فضلاً عن الخارجية، إذ يجري تمرير موازناتها عبر بند «المصروفات الأخرى» من دون شرح، وهي تقريباً 113.8 مليار جنيه.

يلتهم سداد القروض وفوائدها في السنة المالية الجديدة 31.5% من المصروفات


في ملفّ الكهرباء، على سبيل المثال، تُواصل الحكومة رفع التكلفة على رغم انخفاض أسعار النفط، مُنفّذة خطّة لتغيير الأسعار مع بداية الشهر السابع للعام الرابع على التوالي، في خطوة لا تهدف فقط إلى التخلّص من دعم الكهرباء الذي سيكون صفراً في موازنة العام المقبل، بل تريد تحقيق أرباح فيها، وهي خطوة ستتحقّق بحلول 2025 مع التحرير الكامل لأسعار الكهرباء. وفي شأن دعم المشتقات البترولية وتوفير المياه للمنازل، تتضمّن الموازنة الجديدة التخلّي عن مزيد من الدعم، فيما لا تستطيع الحكومة إلزام القطاع الخاص المشغِّل لغالبية القوى العاملة الآن تنفيذَ زيادات في الرواتب مقابل زيادة الإنفاق على المواد الأساسية للحياة.
وستعمل الحكومة على فصل إنتاج الكهرباء عن التوزيع، في خطوة من شأنها توفير مجال تنافسي للتوزيع يسمح بشراكة مع القطاع الخاص بما يحقق فائدة وأرباحاً، وهي خطوة تعدّ لها التشريعات القانونية اللازمة تمهيداً لتمريرها في البرلمان، علماً بأن رفع دعم الكهرباء كان أحد الشروط الأساسية لـ«صندوق النقد الدولي» في القروض التي منحها للقاهرة خلال السنوات الماضية. اللافت في «دولة الضرائب» أن الحكومة قدّرت العائدات الضريبية بقيمة 983.1 مليار جنيه، فيما قدّرت الإيرادات غير الضريبية بـ 380 ملياراً، ما يؤكد غياب الرؤية الاستثمارية للدولة التي تُحقّق نحو 75% من إيراداتها من الضرائب لتكون المصدر الرئيسيّ للدخل، على رغم كثرة المشروعات التي تقول إنها قادرة على تحقيق المليارات.
في المقابل، يلتهم بند سداد القروض وفوائدها للجهات المستحقّة في السنة المالية الجديدة 31.5% من إجمالي المصروفات في الموازنة، إذ سيتمّ سداد 579.58 مليار جنيه بنسبة 8.2% من الناتج المحلي خلال العام المالي المقبل، فيما ارتفعت فوائد الديون لتسجّل 59.1 مليار جنيه بما يمثّل زيادة بلغت 21.6% عن العام الجاري.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا