القاهرة | على رغم الاعتراف المصري بالآثار السلبية التي سيؤدّي إليها الملء الثاني لـ«سدّ النهضة» خلال تموز/ يوليو المقبل، لا تزال وزارة الخارجية تؤكد قدرتها على التعامل مع الخطوة الإثيوبية التي بدأت أديس أبابا التحضير لها بفتح بوّابات المياه خلال الأيام الماضية لبدء تعلية الحاجز. ووصل السجال بين مصر وإثيوبيا إلى مجلس الأمن، بعدما ردّت الأخيرة على الرسالة المصرية بتأكيدها «العودة إلى مسار المفاوضات الثلاثي واحترام مسار المفاوضات الأفريقي». أمّا مصر، فتقول إنها قدّمت ما يثبت حسن نيّتها بالتفاوض على مدار سنوات، وخاصة ما بين 2012 و2015 عندما أبدت مرونة في تمويل التكلفة الزائدة لزيادة الفتحات التي تسمح بتدفّق المياه، وهو ما يوفّر الحدّ الأدنى لاحتياجات دولتَي المصب ولا يخلّ بالهدف الإثيوبي من السدّ.

للمرّة الأولى، تشرح القاهرة علمياً التداعيات السلبية للملء الثاني، والمرتبطة بتغيير نظام تدفّق المياه تجاه مصر والسودان، ما سيُسبّب أضراراً كبيرة خلال الشهرَين السابع والثامن، وخاصة مع انخفاض تدفُّقات المياه التي لا تتعدّى خمسين مليون متر مكعّب يومياً من فتحتَي بوّابات السدّ، الأمر الذي لا يكفي احتياجات البلدين، ولا يكافئ متوسّط تصرفات النيل الأزرق. وتؤكد مصر أن المتحكّم الوحيد في كمّيات المياه المنصرفة أثناء الملء سيكون المخارج المنخفضة (عددها 2)، ولذلك سيكون الوضع أشدّ تعقيداً في موسم الفيضان في تموز/ يوليو، لأن الفتحات ستطلق ما هو أقلّ من المعتاد استقباله في مثل هذا الوقت. ويقدَّر الحدّ الأقصى لتصرفات المخارج المنخفضة بثلاثة مليارات متر مكعّب شهرياً، على فرضية الوصول إلى منسوب 595 متراً، وهو ما يعني معاناة دولتَي المصب في حال ورود فيضان متوسّط، على أن يزداد الوضع سوءاً في حال الفيضان المنخفض.

بدأت السلطات المصرية الاعتراف بمخاطر الملء الثاني للسدّ


وتأتي الخطوات المصرية التصعيدية بالتزامن مع بدء تجفيف الممرّ الأوسط لـ«النهضة»، تمهيداً لرمي الخرسانة وتعليته إلى مستوى 595، وهو أمر يستغرق ما بين شهر إلى اثنين كحدّ أقصى للانتهاء منه بشكل كامل، وسط توقّعات بيئية بموسم فيضان وفير خلال الصيف المقبل. وتستند مصر، في إثبات التعنّت الإثيوبي، إلى حقيقة تنفيذ الملء الأول وتخزين المياه من دون توليد الكهرباء، ما يؤكد من وجهة نظرها الأهداف السياسية لتخزين المياه، لا الأهداف التنموية التي تتذرّع بها إثيوبيا، فضلاً عن المشكلات الفنّية التي سُجّلت ــــ وأعلنتها أديس أبابا ــــ بشكل يجعل السدّ غير قادر على توفير معايير الأمان، ومن بينها عدم جاهزية التوربينات للتشغيل، وتغيير مستوى الفتحات، وعمليات الفساد التي شابت بناءه وتسبّبت في إطالة العملية، إلى جانب تخفيض عدد التوربينات من 16 إلى 13، ما يعكس خللاً جوهرياً في تفاصيل مهمّة، ولاسيما بعدما أُزيلت أجزاء معدنية لفتحات تعمل الآن وجرت إعادة تركيبها.
في سياق متصل، يواصل وزير الخارجية المصري، سامح شكري، جولته الأفريقية من أجل شرح الموقف المصري والسوداني للزعماء الأفارقة، حاملاً رسائل من الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى نظرائه. ووصل شكري، أمس، إلى جنوب أفريقيا، وهي ثالث محطّاته الأفريقية، في محاولة لتدشين مسار تفاوضي جادّ يؤدي إلى اتفاق قانوني ملزم حول ملء وتشغيل السدّ بما يُحقّق مصالح الدول الثلاث ويحفظ حقوقها، فيما سيواصل جولته اليوم بزيارة الكونغو الديموقراطية ثمّ السنغال، على أن يختتمها بزيارة تونس نهاية الأسبوع الجاري.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا