واقع سيطرة مخابرات عبد الفتاح السيسي العسكرية على المشهد الإعلامي اليوم، نتاج مسار كبير بدأ تحت عنوان مختلف كلياً اسمه «الخوف». فبعد مرور عام على تولي السيسى حكم مصر، وخلال تعليقه على نشر صحيفة «المصري اليوم»، عنواناً ساخراً على انقطاع الكهرباء المستمر، خرج ليصرّح بغضب شديد أثناء مؤتمر افتتاح تفريعة قناة السويس بأن «وزير الكهرباء منوّر». كانت تلك الغضبة التي أظهرها السيسي في وجه الإعلام، صدامه الأول معهم وفاتحة الصدام الأخير.


لاستيعاب طبيعة هذا الصدام وأسبابه، تجب العودة إلى لحظة 3 تموز 2013، حين أطاح السيسي محمد مرسي. طبيعة المشهد الاحتفالي الذي وصل به السيسي لحكم مصر: ملايين من الشعب تهتف له في الشوارع، والباقي يهتف له في وسائل الإعلام. بعد هذا المشهد التأسيسي في حكم السيسي، وبعد «التفويض الشعبي» في حربه على «الإرهاب» كما سمّاه هو، وبعد فضّ اعتصامي رابعة والنهضة، بدأ التأييد الشعبي ينفرط من حول السيسي، لأسباب عديدة، بينها المشاهد المخيفة التي ظلت عالقة في أذهان الشعب بأكمله.


مسلسل الاختيار



تحت ظلّ هذا الخوف من النظام الجديد المتوحش، أو الإيمان بضرورة استخدام القوة في إنهاء حالة الزخم الثوري (المسماة اضطرابات بعرف مؤيدي النظام)، اجتمع الفريقان (مع السيسي وضده) على المكتسبات الاقتصادية والخدمية، وعلى حل المشاكل العالقة، التي كانت سبباً رئيسياً فى خروج الناس إلى الشارع، وتبرير خروج السيسي على مرسي.

تلك المشكلات المعيشية التي تمس المجتمع، صدعت رأس السيسي لفترة طويلة، حتى خرج أكثر من مرة ليصرّح بأن «الشعب هو من أتى به»، مؤكداً أنه سيرحل إذا طلب منه ذلك.

بينما كان السيسي يعيش فترة طويلة من التأييد غير المشروط، في الإعلام الحكومي والخاص، كانت المشاكل المجتمعية لا تزال على طاولة النقاش، حتى وإن كانت تتحسس الأزمات الحقيقية بألطف صيغة. ذلك التحسّس أغضب السيسي وجعله يخرج على الملأ بأمنيته الخفية، حين قال إنه يحسد جمال عبد الناصر على إعلامه الذي أنشأته الدولة، وكان تحت سيطرتها الكاملة».

فكيف حقّق السيسي أمنيته، وتفوّق على عبد الناصر؟

«رص صفوف» الداخل
رغم طبيعة حكم «الضباط الأحرار» العسكري، لقي الضباط ترحيباً جماهيرياً بعملهم، مردّه الانهيار الشامل و الانقسامات السياسية، سواء داخل معسكر النظام القديم، أم معسكر أعدائه. وأياً كان تقييم سياساتهم، فمن المؤكد أنها ارتبطت بفكرة «العدالة الاجتماعية»، أو ما سُمّي وقتها «مكاسب الشعب»؛ فهي بشكل أو بآخر تُصنّف تحت مسمى سياسات الإصلاح، لذلك كان من الطبيعي أن ترتبط صورة عبد الفتاح السيسي بصورة عبد الناصر، في مخيلة الجماهير وصورهم المرفوعة فى تظاهرات 30 يونيو، وهم يعانون من المشاكل نفسها بعد 61 سنة.

«أخبرَنا جمال عبد الناصر بما ذكره للصحافيين في مؤتمره الصحافي في ذلك المساء (7 آذار 1954). و أهم ما أشار به عليهم ألا ينسوا أن الجيش قد أصبح عاملًا أساسيًّا في التأثير على السياسة في البلاد، و أن يضعوا هذا في اعتبارهم. كما أنه تناول معهم أيضًا موضوع انتخابات الجمعية التأسيسية التي ستناقش الدستور الجديد. وقد اقترح الصحافيون أنفسُهم ضرورة وجود بعض الأعضاء فيها عن طريق التعيين. وتم الاتفاق على أن تتولى الصحافة حملة بهذا الرأي. وأشار إليهم أيضاً بأن يتجنّبوا ذكر أي شيء في صحفهم عن الانشقاق الذي حدث بين محمد نجيب و المجلس، واتخاذ الحذر عند الكتابة عمّا يمسّ السياسة الخارجية و الاقتصادية»؛ من مذكرات عبد اللطيف البغدادي، عضو مجلس قيادة الثورة.


جمال عبد الناصر



كان تنظيم «الضباط الأحرار»، ثم ما تمخض عنه بعد ذلك مجلس قيادة الثورة، يرى منذ البداية أن المخاطر التي يواجهها الحراك العسكري هي من النظام القديم، والدول المساندة له، إضافة إلى الإقطاعيين، ثم اشتعال الصراع المصري الطويل على الجهات كافة (عدوان ثلاثي، إسرائيلي، تحرير الشعوب، دعم الانتفاضات).
وجد عبد الناصر ضالته في بقاء الداخل متماسكاً ومترابطاً على سردية أحادية، باعتباره الضمان للتفرغ للأعداء في الداخل والخارج، ليكون نهجاً متبعاً مع وسائل الإعلام حينذاك، الراديو والصحف، أو حتى الكيان الجديد المسمّى «ماسبيرو».

«مراقبة التمثيليات تقدم»
«هي قلعةُ الإعلام الأولى في الشرق الأوسط، البيتُ الكبير للإعلام العربي المسموع والمرئي والرقْمي، مركز الإبداع والتنوير والإشعاع الحضاري والفكري»؛ بتلك الكلمات تصف الهيئة العامة للإعلام (ماسبيرو)، نفسها.
يعدّ مبنى «ماسبيرو» الواقع وسط العاصمة المصرية، تاريخياً، من أقدم المحطات التلفزيونية في العالم العربي. بدأت فكرة إنشاء محطة تلفزيونية مصرية بعد سنوات قليلة من وصول تنظيم الضباط الأحرار للسلطة في العام 1956، حين أنشئت «وزارة الإرشاد القومي» بقيادة صلاح سالم، إلا أن العدوان الثلاثي على مصر تسبّب في تأخير العمل في إنشاء التلفزيون المصري حتى أواخر 1959.
وقّعت مصر عقداً مع «هيئة الإذاعة الأميركية» (RCA) لتزويد البلد بشبكة للتلفزيون. تم الانتهاء من إنشاء مركز الإذاعة والتلفزيون في 1960، وكان أول بث تلفزيوني مصري في 21 تموز 1960.
مواكبة للعيد الثامن لثورة يوليو 1952، أمر جمال عبد الناصر بأن يكون الافتتاح في تمام الساعة السابعة من الخميس 21 تموز 1960، حيث بدأ أول بث تلفزيوني لقناة مصرية بالصوت والصورة للقارئ محمد صديق المنشاوي، استمر البث خمس ساعات، انتهى أيضاً بتلاوة القرآن، وتخللته أخبار وخطابات الرئيس جمال عبد الناصر واحتفالات الثورة. بعد عام بالضبط، في تموز 1961، بدأ بث القناة الثانية المصرية، ثم في العام 1962، بدأ عرض أول مسلسل درامي على التلفزيون المصري بافتتاحية «مراقبة التمثيليات تقدم» كان المسلسل باسم «هارب من الأيام».



تغيّرت وسائل الإعلام بعد وفاة عبد الناصر، لكن إلى الأسوأ؛ بالطبع لم يكن هنالك مكان لحرية للإبداع، لكنه كما يصف الإعلام المصري حينها، بأنه يقدم نخبة ممتازة في التقديم، حتى وإن كان المقدم غير مقبول. تغيّرت تلك الصورة مع قدوم أنور السادات و«ثورته التصحيحية» لإطاحة القيادات الناصرية، ليستمر الإعلام في نهجه لكن بشكل أسوأ أيضاً.

كانت بداية البث التدريجي بالألوان عام 1976، تلتها بداية ظهور قنوات للمحافظات والأقاليم، بداية من القناة الثالثة عام 1985. ظل «ماسبيرو» حتى مطلع التسعينيات، متسيّد الإعلام في مصر، إلا أنه تحديداً في 12 كانون الثاني في العام 1990، دخلت مصر عالم الفضائيات، بافتتاح القناة الفضائية المصرية الأولى، وقناة «نايل تي في» الناطقة بالإنكليزية والفرنسية أحياناً. كان عصر حسني مبارك مختلفاً عمّا سبقه، إذ لم تكن وسائل الإعلام محدودة تسهل السيطرة عليها؛ ففي تلك الآونة أطلق القمر الصناعي «نايل سات» في تموز 1996، والذي تعود ملكيته لاتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري بنسبة 40%، بينما باقي النسبة يمتلكها عدد من البنوك المصرية، كالبَنك الأهلي المصري وبنك الاستثمار القومي وغيرهما.

هامش «البزنس»
مع بدايات الألفين، تحديداً في العام 2002، سيدشّن رجل الأعمال أحمد بهجت قناة «دريم»، كأول قناة فضائية مصرية غير تابعة للدولة، ثم سيلحق به حسن راتب وعدد من رجال الأعمال بإطلاق قناة «المحور»؛ بعد ذلك تتوالى الفضائيات المصرية الخاصة في الظهور.

كان للزخم الذي صنعته كثرة القنوات الفضائية الخاصة في مجال الإنتاج الفني، تأثير أزاح قلعة ماسبيرو من مكانتها. ذاك السوق الجديد دفع رجال الأعمال، المهتمين بزيادة المشاهدات (والربح بالتأكيد)، إلى تقديم برامج وأعمال فنية، قد تغضب النظام، لكنها استغلت هامش الحرية المحكوم من الدولة، وحاولت التلاعب بها قدر الإمكان، لتقدم محتوى مختلفاً عمّا يقدمه ماسبيرو.

استمر ذلك الزخم حتى ثورة 25 يناير، ليبدأ بعض تلك القنوات بنقل أخبار عن التظاهرات فى شوارع القاهرة، مخالفاً بذلك كل تعليمات وزير الإعلام آنذاك صفوت الشريف، وليظهر بعض الإعلاميين مؤيدين للتظاهرات على الهواء مباشرة.


باسم يوسف



بعد تنازل مبارك عن السلطة، وطيلة أربع سنوات تلت ذلك، تمتعت القنوات الخاصة بحرية لم تعشها مطلقاً. وعلى إثر ذلك، كانت شركات الإنتاج كذلك تعيش أحلامها في إنتاج أعمالها من دون مشكلة مع أجهزة الرقابة أو مشكلة في بيعها للقنوات التلفزيونية.
بدأت أعمال درامية وسينمائية تخرج إلى العلن تتحدث عن فترة مبارك ذات القبضة الأمنية، وبدأت الأعمال الدرامية تقترب من قضايا المجتمع، كما بدأت تأخذ برامج الحوار قوة شعبية لما تمتّعت به من جرأة في فتح الملفات المغلقة، كما ظهرت البرامج الساخرة لتأخذ شعبية عظيمة في المجتمع المصري.

«هجمة مرتدة»
بدأ السيسي حل مشكلته مع وسائل الإعلام. في 2 حزيران ظهرت شركة تسمى «إعلام المصريين»، في الهيئة العامة للاستثمار، وهي الشركة التي ستوكل إليها بعد ذلك مهمة استعادة تلفزيون جمال عبد الناصر. بعد هذا التاريخ بثلاث سنوات، وتحديدًا في أيار 2016، خرجت أخبار عن صفقة شراء رجل الأعمال المصري، أحمد أبو هشيمة، رئيس المجموعة حينها، لجميع أسهم شبكة «أون تي في». ثم في كانون الأول 2017، استحوذت المخابرات العامة، عن طريق صندوق الاستثمار التابع لها «إيغل كابيتال» على حصة أحمد أبو هشيمة من «إعلام المصريين». وبدايةً من هذا التاريخ، ستلتهم «إعلام المصريين» كل شيء في طريقها.


القاهرة كابول



ستتوالى صفقات شراء المجموعة للقنوات الفضائية المصرية الخاصة، وستقوم بشراء مجموعة قنوات «الحياة» في تموز 2018، وبعدها بشهرين ستشتري 51% من أسهم قنوات «سي بي سي».



تحولت «إعلام المصريين» إلى أكبر إمبراطورية إعلامية في مصر، تضم تحتها، بخلاف الشبكات التلفزيونية، صحفاً كـ«اليوم السابع» و«صوت الأمة»، وشركات إنتاج درامية وسينمائية كـ«سينرجي»، ووكالات إعلانية وتسويقية، مثل شركة «Presentation»، و«Ifly Egypt» المتخصّصة في التصوير باستخدام «درونز»، إضافة إلى عدد كبير من المواقع الإلكترونية. ثم في 2019 قامت «إعلام المصريين» بتوقيع بروتوكولات مع الهيئة الوطنية للإعلام، لتطوير التلفزيون، ثم ستؤسّس لاحقاً منصة «!Watch it»، للعرض على الإنترنت، وتشتري تراث «ماسبيرو»، لتعرضه بمقابل مادي.


مسلسل الاختيار 2



ذلك الاحتكار جعل سوق الإنتاج الفني (الدرامي والسينمائي) تحت قبضة المخابرات العسكرية، لتوصل عن طريقها أفكارها إلى المجتمع. في موسم رمضان 2021، كان هناك ثلاثة أعمال درامية من إنتاج شركة «سينرجي»، هي: «هجمة مرتدة» الذي يوصف بأنه من ملفات المخابرات الحديثة، عن فترة ثورة يناير والمؤامرات التي حيكت لإيقاع مصر، و«القاهرة كابول» الذي يتحدث عن «الإرهاب»، و«الاختيار 2» عن بطولة رجال الشرطة في وجة إرهاب جماعة «الإخوان المسلمين».

لذلك أصبح من المعتاد، منذ احتكار جهاز المخابرات وسائل الإعلام كافة، وجود الأعمال الإنتاجية الضخمة لتمجيد دور الجيش والشرطة في مصر، على حساب الأعمال الفنية الأخرى. فهل ستستمر الدراما المصرية الرمضانية تعاد كل عام، ويبقى المشاهد يدور في حلقات مفرغة؟