القاهرة | على رغم العثرات التي اعترضت عملية بناء العاصمة الإدارية الجديدة في الصحراء، على أطراف العاصمة الحالية في الطريق الرابط بين القاهرة ومدن القناة، وما كَلّفه المشروع من مبالغ طائلة لتوصيل المرافق والخدمات على مدى عشرات الكيلومترات، تُواجه هذه العاصمة اليوم مخاطر عديدة مع اقتراب المرحلة الأولى فيها من الاكتمال، مرتبطة بتحوُّلها إلى جزء من مشهدية الكوارث المرورية، مع أن الهدف من إنشائها أصلاً كان القضاء على تلك الكوارث.

قبل أيّام قليلة، شارك المتحدّث باسم العاصمة الإدارية، العميد خالد الحسيني، مع مجموعة من الشباب في دردشة عبر تطبيق «كلوب هاوس»، حيث اتّسم الحديث بالشفافية في بعض الأمور التي يَكشف عنها للمرّة الأولى مسؤول حكومي لديه خلفية عسكرية؛ إذ تحدّث الحسيني عن كارثة مرورية متوقّعة خلال الشهور الستّة الأولى - على الأقلّ - بعد افتتاح العاصمة الإدارية ونقل الموظفين إليها، وذلك قبل انتهاء تجهيز وسائل المواصلات التي تناسب الحركة المتوقّعة، وتحديداً القطار الكهربائي و«المونوريل» (قطار أحادي الخط)، ولا سيما أن نقل الموظفين، الذين يُقدَّر عددهم بنحو 50 ألفاً على الأقلّ، سيجعل من الصعب على المحاور المرورية الموجودة، والتي شهدت عمليات توسعة عديدة، استيعاب حركة وصولهم ومغادرتهم في التوقيت نفسه.
في حديث الحسيني مع الشباب، بدت واضحة المعاناة التي يعيشها المسؤولون خلال العمل على أرض الواقع على خلفية طلبات الرئاسة التي يجب تنفيذها فوراً، وهو ما دفعهم إلى الإسراع في تنفيذ الأعمال الخاصة بهذه الوسائل المرورية المهمّة لتسهيل حركة الدخول إلى العاصمة والخروج منها مع بدء نقل الوزارات إليها في النصف الثاني من العام الحالي. والجدير ذكره، هنا، أن "شركة العاصمة" هي المالكة للمشروع، وأن للقوات المسلحة 51% من حصّتها مقابل 49% لوزارة الإسكان التابعة للحكومة، وفق قرارات التخصيص التي صدرت خلال السنوات الماضية، ليكون العمل خارج الإطار الحكومي، بما يضمن سرعة الإنجاز وتجنُّب قوانين المزايدات والمناقصات.

تتهدّد العاصمة الجديدة مشكلات عديدة أبرزها الأزمة المرورية المتوقّعة


ولا يزال الرئيس عبد الفتاح السيسي يرفض الحديث عن تأجيل الافتتاح إلى حين اكتمال المباني في الحيّ الحكومي وتشطيبها، ولهذا تحاول الحكومة التغلُّب على تلك العقبة عبر نقْل الموظفين إلى حدائق العاصمة، وهي منطقة سكنية أُنشئت ليقيموا فيها بجوار أعمالهم، على أن تقتطع تكلفة الوحدات السكنية من رواتبهم، مع قروض ميسّرة لسداد جزء من قيمة الوحدات للشركات المنفّذة، بما يغطي كلفة المشروع خلال السنوات الثلاث المقبلة. واللافت أن السيسي، الذي سارع إلى إنشاء وافتتاح أكبر مسجد وكنيسة في العاصمة قبل تشغيلها، وافتتاح فندق الماسة بقيادة ومسؤولية القوات المسلحة، لم يستفد من هذه المشاريع سوى إطلالته والتفاخر بها في وسائل الإعلام.
جزء آخر من الأزمة مرتبط بالسفارات الأجنبية التي تسبّبت في مشكلة كبيرة لإدارة العاصمة الإدارية، إلى حدّ اضطرار الأخيرة إلى بناء نموذجَين للسفارات؛ إذ إن بعضها طلب أن تكون متجاورة على غرار ما هو قائم في دول الخليج، فيما اشتكت أخرى من عجزها عن سداد الرسوم المطلوبة لشراء المقرّات الجديدة بالأسعار المعروضة، وهو ما دفع إلى البحث عن آلية لتوفير النفقات وإتاحة فرصة الإيجار لعدد من السفارات، فضلاً عن أسعار إيجارات تمّ تخفيضها إجبارياً على غرار المنظّمات الدولية التي سيكون مقرّها في برج كبير داخل الحيّ الدبلوماسي، ما يتيح مساحات تناسب جميع المنظمات التي لها مقرّات في «المحروسة».
وسبقت ذلك كلّه مشكلات عديدة بدأت مع كبار المطوّرين الذين لم يتمكّنوا من الحصول على الأراضي بأسعار تنافسية من وجهة نظرهم، ثم زيادات الأسعار بصورة كبيرة حتى قبل السكن في العاصمة، وصولاً إلى انسحاب الشركات بعد الحصول على الأراضي نتيجة التعقيدات الإدارية وصعوبة التسويق للوحدات، الأمر الذي دفع إلى إيجاد أنظمة سداد تصل حتى 12 عاماً من دون فوائد! ولم تقتصر أزمة الشراء على السفارات والمنظّمات الدولية، بل امتدّت إلى جهات داخلية عديدة، من بينها مدينة الإنتاج الإعلامي التي اعترضت على أسعار الشراء المخصَّصة لها، وهو ما أوقف مشروع إنشاء مدينة للإنتاج في العاصمة التي يفترض أن تكون مقّراً للحكم، وهي قضايا يحاول مسؤولو المشروع حلّها خلال الأسابيع المقبلة. وعلى رغم البناء الحديث والمنظّم والمتطوّر لمشروعات "الإدارية"، ثمّة مخاوف من أن يؤدّي الاستعجال وفقاً لطلبات الرئيس إلى مشكلات في الجودة، ثمّ إعادة تأهيل بعضها خلال مدّة قصيرة، وهو ما يتكرّر في عدد من الطرق والمحاور المبنيّة أخيراً.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا