«لقد تغيرت مصر الحديثة والمعاصرة في جميع نواحي الحضارة المادية واللامادية... غير أنها من أسف لم تكد تتغير من ناحية الحكم والسلطة والدولة، التي هي بالتحديد المقياس والمحك الوحيد للتطور الحضاري عموماً والتقدم الإنساني الحقيقي. ففي هذا لا جديد تحت شمس مصر: فمصر سنة 1984 ميلادية هي سياسياً كمصر سنة 1984 قبل الميلاد، والفرعونية المحدثة لا تختلف جوهرياً عن الفرعونية العتيقة. وإذا كانت مصر اليوم دولة متخلّفة تكنولوجياً، نصف متخلفة حضارياً، فإنها متخلّفة مرتين سياسياً: داخلياً وخارجياً، كمواطن وموطن. وفيما بين الطرفين، تظل الديموقراطية هي مشكلة مصر الأولى والأم»

جمال حمدان، جغرافيّ ــ سياسي مصريّ

تابع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مراسم نقل 22 من فراعنة مصر، من مقرّهم القديم بالمتحف المصري بوسط القاهرة، إلى متحف مصر للحضارة. احتفال وصف بالأسطوري، نقلته معظم وسائل الإعلام العربية والغربية، الأمر الذي احتفت به كلّ وسائل الإعلام المصرية، معلنة عودة مصر إلى مكانتها التاريخية، بالإضافة إلى المكاسب الاقتصادية التي سوف «تتقاطر» على مصر، من زيادة أعداد السياحة الخارجية والداخلية.
إلا أن تلك الاحتفالية الضخمة أعادت إلى الأذهان فكرة تقديس النظام المصري للاحتفالات، ففي عام 2015 افتتح الرئيس السيسى تفريعة قناة السويس، فى حفل وصف بالأسطوري أيضاً فى حضور ممثلين لدول العالم. قدرت التكلفة التقريبية لذلك الاحتفال بأكثر من 30 مليون دولار، لكن المعلومات الدقيقة في هذا الشأن تبقى حتى الآن غير معلنة. المعلن هو هوية من دفع تلك الأموال، فحسب تصريح رئيس هيئة قناة السويس، مهاب مميش، آنذاك، فقد تكلف المصريون بتمويل ذلك الاحتفال الضخم.
لم تكن احتفالية نقل فراعنة مصر القدماء عملاً متفرداً من النظام، فمنذ قدوم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم، في مظهر احتفالي عقب تظاهرات 30 حزيران، أخذ النظام المصري الاحتفالات كنمط شبه يومي. في عام 2014، بدأت تظهر ملامح فكر النظام المصري للإعلان عن مشاريعه، حتى وصل نمط الاحتفال إلى إقامة حفل من أجل الإعلان عن المشروع، ثم آخر من إجل الاعلان عن آخر التطورات، ثم احتفال جديد لافتتاحه. دفعت تلك الاحتفالات المعارضة إلى مهاجمة النظام المصري، مستغلة حديث السيسي عن مدى فقر مصر، ومقارنتها بالمليارات التي تصرف فى الاحتفالات.

النظام كنظام احتفالي
يعدّ نمط النظام المصري الحالي فى الاحتفال امتداداً طبيعياً لتاريخ احتفالات حكام مصر. فمنذ تأسيس الحضارة المصرية القديمة، أي ما يزيد على 7 آلاف عام، أظهرت نقوش المعابد الفرعونية تنوع احتفالات المصريين القدماء؛ فهناك احتفالات بأعياد رسمية ومحلية ودينية، وثلاثة أعياد للزراعة، وأعياد جنائزية.
وكما بقيت الثقافة الاحتفالية مترسخة فى فكر المجتمع المصري، ظل البذخ فى الاحتفال مترسخاً فى فكر حكام مصر. إذ كان يظهر الفرعون وسط الشعب، فى احتفالات راقصة يقدم فيها الفرعون الهدايا للشعب. ولم يتوقف حجم البذخ على مراسم الاحتفال فقط، بل فى المنافسة بين الفراعنة وخلفائهم، في تشييد المباني الضخمة، إذ نجد حجم المنافسة قد وصل إلى إفلاس الخزائن المصرية من أجل بناء الهرم الأكبر (خوفو) بنحو أكثر من 2 مليون حجر.
لم تتغير سمة الاحتفالات، حتى فى ظل وجود أنظمة خارجية، مختلفة كلياً عن الثقافة المصرية، بداية بالفرس، ثم الإسكندر الأكبر والدولة البطلمية، وبعدها الرومان لمدة 600 عام، خلالها ظهرت المسيحية في مصر، ثم جاء الفتح الإسلامي وتحولت مصر إلى دولة إسلامية. أتى بعد ذلك الدولة الطولونية ثم الإخشيدية ثم الفاطمية ثم الأيوبية ثم المماليك، وبعدها أصبحت تحت حكم العثمانيين حتى عام 1914 عندما أعلنت السلطنة، ثم تحولت إلى مملكة عام 1922، وبعد ذلك إلى جمهورية عام 1954. أثناء تعاقب الدول على حكم مصر، استبدلت أعياد أخرى، لكن ظل نمط الاحتفال من قبل المجتمع، والبذخ من قبل السلطة راسخين.
كان أكثر تلك الاحتفالات تأثيراً على مصر، احتفال 15 تشرين الثاني من عام 1869، حين افتتح الخديوي إسماعيل مشروع قناة السويس، حيث وصل عدد الضيوف أثناء حفلات القناة يومَي 17 ــ 18 تشرين الثاني 1869 على أقل تقدير، إلى 100 ألف من الأجانب والمصريين. جال الخديوى إسماعيل برفقة وزير الخارجية نوبار باشا، العالم، لتوجيه دعوة حضور حفل الافتتاح إلى كبار الشخصيات من الملوك والرؤساء والأمراء ورجال العلم والآداب والسياسة والصحافة.
كلف حفل الافتتاح هذا خزينة مصر نحو أكثر من 2 مليون و400 ألف جنيه.
في عام 1875 مرت مصر بأزمة مالية طاحنة اضطر معها الخديوي إسماعيل إلى بيع حصة مصر من أسهم القناة لبريطانيا بمبلغ 100 مليون فرنك في 25 تشرين الثاني 1875. لم تنفرج الأزمة المالية، وأرسلت الدول الدائنة لجنة لفحص الحالة المالية في مصر، فلم تجد سوى بيع حصة مصر من أرباح القناة، التي تمثل 15% من شركة قناة السويس، نظير مبلغ 22 مليون فرنك. خسرت مصر حصتها من أسهم القناة وحصتها في الأرباح في ظرف 6 سنوات من افتتاح القناة.

استحضار التاريخ
«انتقل إلى رحمة الرحمن، الواحد، العادل، القهار، المحيي، المميت، الدّيان، أحمد عرابي الشهير الذي قلب بثورته وجه المسألة الشرقية، وغيّر توازن القوات الأوروبية، وجرّ على مصر الاحتلال وعلى السودان الشركة الإنكليزية، وجعل شرقي أفريقيا ووسطها نهباً بين الدول والأمم بعدما كان خالصاً لمصر وينظر إليه إسماعيل العظيم نظر الملك الجبار إلى أكبر مستقبل يركز وأعظم ملك يؤسس من مصب النيل وحافة العريش وأطراف برقة وسواحل الصومال إلى خط الاستواء، بل إلى سواحل الباسيفيك، فأضاعت ثورة عرابي هذا الملك المترامي الأطراف وهدمت أوروبا هذه السلطنة الإفريقية التي لو تم بنيانها على ما أسس محمد علي وعلى ما بنى إسماعيل لفاقت مصر اليابان وكانت سلطنتها العربية الإفريقية أكبر سلطنة في هذا الزمان، لكنه لم يقدر لإسماعيل أن يتم بناء جده، ولم يقدر لخلفه توفيق أن يحتفظ بالجزء الأصغر من إرث أبيه، ولم يقدر للمصريين أن يطفئوا جذوة العرابيين، بل زادوها ضراماً وجعلوا استقلالهم الخاص فوق استقلال ملكهم البعيد أكلاً لها، وذهب العرابيون وذهب اليوم عرابي تاركين لأمتهم الحسرة والغصة ولجميع الأمم أيضاً العظة والعبرة».
جريدة الأهرام - 21 أيلول 1911


بتلك الكلمات القاسية، استقبلت جريدة الأهرام المصرية خبر وفاة القائد العسكري أحمد عرابي، صاحب أول حركة تحررية فى تاريخ مصر الحديث. فى تلك الفترة، كان أحمد عرابي، بعد انكسار ثورته ونفيه ثم عودته إلى مصر، يعيش حالة من اللفظ السياسي والشعبي، فنجد أمير الشعراء أحمد شوقي يقول عنه:
أهلاً وسهلاً بحاميها وفاديها مرحباً وسلاماً يا عرابيها
وبالكرامة يا من راح يفضحها ومقدم الخير يا من جاء يخزيها
بينما كان شوقي يهجو، نجد شخصاً كمصطفى كامل، الثائر المناضل مؤسس الحزب الوطني، يقود حملة التشويه منذ عودة عرابي من منفاه في سيلان، ولم يكتف بذلك فتردّد على مكان جلوس عرابي شباب الحزب الوطني، حتى يتسنى لهم البصق في وجه عرابي الخائن. ظل تاريخ عرابي كخائن لوطنه طويلاً، حتى عام 1952، حين أطاح تنظيم الضباط الأحرار فى مصر الملك فاروق، ثم الملكية وإعلان الجمهورية. كان «نظام يوليو» بحاجة إلى مثل تاريخ عرابي، وكفاحه العسكري ضد الإنكليز والملك، فبدأ توجّه الدولة العسكري حينذاك فى إظهار تاريخ الجيش بشكل يخدم تلك المرحلة. بدأ التغيير بالمناهج التعليمية، فتمّ إدخال شخصيات عسكرية تاريخية، بداية من مصر القديمة كرمسيس الثاني وأحمس، ومن ثم أحمد عرابي، واستمر ذلك النهج حتى يومنا هذا.
حين سأل عبد الفتاح السيسي عن مثله الأعلى، أجاب أنه لا يميل الى تجربة عبد الناصر، على الرغم من أن صورته كانت مرتبطة طويلاً بصورة عبد الناصر، طوال تظاهرات 30 حزيران. لذلك يعتبر نظام الرئيس السيسي امتداداً ليس لعبد الناصر، بل لتاريخ طويل من حكم الفراعنة والملوك والأنظمة، حيث يتشابه معهم في اهتمامه البالغ بالإنجازات الضخمة، حتى وإن كانت آثارها مدمّرة على المجتمع، والاقتصاد، ومن ثم الإعلان عنها بشكل ضخم يصل إلى المبالغة.
فعلى أرض الواقع، نجد أن احتفال قناة السويس في عام 1869 كان من أسباب فقدان مصر لقناة السويس. وفي 2015 وقت افتتاح تفريعة القناة الجديدة، لا تعبّر الأرقام عن مكاسب إضافية دخلت إلى الخزينة المصرية، جراء مشروع التفريعة أو حتى زاد عدد السفن فى الممر نتيجة الاحتفال.
لذلك يظهر سؤال المعارضة فى مصر عن حفل نقل فراعنة مصر إلى مقرهم الجديد في الفسطاط، هل هو استغلال سياسي للحضارة من أجل كسب شعبية تراجعت في السنوات الـ 8 الماضية؟ أم محاولة من النظام لإنعاش السياحة في ظل كارثة إنسانية تسمى كورونا؟