بأزمة قلبية داخل أحد المستشفيات التابعة للجيش، توفّي مستشار الرئيس المصري ورئيس مجلس الوزراء الأسبق، كمال الجنزوري، عن عمر يناهز 88 عاماً، بعد صراع مع المرض دام سنوات. والجنزوري، الذي سبق أن تدرَّج في المناصب المختلفة داخل السلك الحكومي، هو الوحيد الذي شغل منصب رئاسة الحكومة في عهدَين مختلفَين منذ ثورة 1952، إذ عُيّن رئيساً للوزراء عام 1996 لثلاث سنوات، قبل أن يعود مجدّداً في آخر عام 2011 بعد إطاحة نظام محمد حسني مبارك، حيث كان من المسؤولين القلائل الذين لم يتعرّضوا للتحقيق أو السجن، مع أن عودته جاءت ملطّخة بدماء المتظاهرين الذين خرجوا ضدّه أمام مقرّ الحكومة؛ وقد سقط، آنذاك، أكثر من عشرين قتيلاً على أيدي قنّاصة وزارة الداخلية، إلى جانب عشرات المصابين، ثمّ بقيت هذه القضية في المحاكم، وحوكم بسببها أكثر من 500 شخص في ما عُرف إعلامياً بـ"أحداث مجلس الوزراء".

وفي جنازة الجنزوري العسكرية التي خرجت من مسجد المشير في ضاحية التجمُّع الخامس، تقدَّم الرئيس عبد الفتاح السيسي المشيّعين بحضور كبار رجال الدولة، علماً بأن الراحل شغل رسمياً منصب مستشار لرئيس الجمهورية للشؤون الاقتصادية بصورة فخرية، وبقي يتقاضى عنه مستحقّات مالية وامتيازات حتى وفاته. لكن عموماً، ارتبطت مسيرة الجنزوري السياسية بمبارك، وخاصة أنه نجح خلال سنوات قليلة في نيل ثقة المخلوع بسبب أفكاره وتحرُّكاته في مختلف المجالات، ليتدرَّج سريعاً في المناصب حتى صار وزيراً للتخطيط والتعاون الدولي، ونائباً لرئيس الوزراء عشر سنوات، ثمّ رئيساً للحكومة. وازدادت شعبية الرجل خلال رئاسة الحكومة، وهذا ما تسبّب على ما يبدو في إقصائه فجأة، وتعيين الدكتور عاطف عبيد خلَفاً له. لكن ظلّت علاقاته جيدة مع وزير الدفاع آنذاك، المشير محمد حسين طنطاوي، ليُفضِّل الاعتزال في منزله حتى استدعائه بعد «ثورة يناير» لتولّي رئاسة الحكومة خلَفاً للدكتور عصام شرف.

كان الجنزوري بمثابة "بيضة القبّان" بين العسكر و«الإخوان» بداية "الثورة"


في تلك الأيّام، كان الجنزوري من الأسماء المرشّحة لخوض الانتخابات الرئاسية بعد إطاحة مبارك، عبر معادلة سياسية قائمة على تأليف حكومة انتقالية يكون الجنزوري فيها رئيساً وخيرت الشاطر (نائب المرشد العام لجماعة «الإخوان المسلمون» آنذاك) نائباً لأربع سنوات. لكن هذه الصيغة، التي حاول «المجلس العسكري» برئاسة طنطاوي إرساءها، باءت بالفشل، ما دفع إلى إسناد رئاسة الحكومة إليه في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، حتى تموز/ يوليو 2012، ليدير حكومته في معظم الوقت من خارج المقرّ الرسمي لمجلس الوزراء وسط القاهرة بسبب التظاهرات. والجدير ذكره، هنا، أيضاً، أن الراحل كان مهندس الاقتراض من «صندوق النقد الدولي»؛ فقد دخل في مفاوضات جادّة مع الصندوق خلال رئاسته الحكومة، كما قاد مفاوضات مع «الإخوان» قبل وصولهم إلى السلطة خلال المرحلة الانتقالية الأولى، ثمّ عاد إلى العمل مع نظام السيسي لصياغة الاتفاق الذي حصلت مصر بموجبه على قرض بقيمة 12 مليار دولار، على مدار ثلاث سنوات بعد تحرير سعر الصرف. وفي أيّامه الأخيرة، لعب الجنزوري، الذي ترأّس «معهد التخطيط القومي»، دوراً رئيسيّاً في السياسات الاقتصادية، على رغم تقدُّمه في العمر، وكان أحد المستشارين الذين يثق بهم السيسي بشدّة عند مناقشة الاقتصاد. لكنه فضّل الابتعاد عن الأضواء، فيما كَتب مذكّراته في كتاب حاول فيه تلميع صورته، وخاصة في ما يتعلّق بخلافاته مع مبارك حينما تعرَّض لحملة تشويه غير مسبوقة خلال سنوات حكم المخلوع.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا