القاهرة | دخلت أزمة سدّ النهضة الإثيوبي طوراً جديداً، مع بدء العدّ التنازلي لتخزين المياه في المرحلة الثانية من بناء السدّ، والمُقرَّر أن تبدأ مطلع تموز/ يوليو المقبل، بالتزامن مع موسم الفيضان السنوي. يأتي ذلك في وقت عَدّلت فيه إثيوبيا من لغتها الدبلوماسية بشكل كبير، بعدما أعلنت رفضها وساطة «الرباعية الدولية» التي اقترحها السودان ووافقت عليها مصر. وردّاً على بيان مشترك بين وزير الخارجية المصري سامح شكري، ونظيرته السودانية مريم الصادق المهدي، اللذين طالبا أديس أبابا بالانخراط في مفاوضات فعّالة من أجل التوصُّل إلى اتفاق قانوني ملزم حول ملء السدّ وتشغيله بما يُحقّق مصالح الدول الثلاث، أكد المتحدّث باسم الخارجية الإثيوبية، دينا مفتي، استعداد بلاده للتفاوض، مع حصر المفاوضات في إطار الوساطة التي يقودها الاتحاد الأفريقي.

وسَجّلت الأيام الماضية ارتفاعاً في مستوى التنسيق بين مصر والسودان بصورة غير مسبوقة، بحسب تصريحات رئيس الأركان المصري، الفريق محمد فريد، الذي زار الخرطوم الأسبوع الجاري، تمهيداً لزيارة الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، الأسبوع المقبل للعاصمة السودانية، لتكون الأولى من نوعها لرئيس مصري بعد إطاحة حكم عمر البشير. واستبق السيسي زيارته بالتعهُّد بتنفيذ مشروعات تنموية مصرية ــــ سودانية مشتركة، سيتمّ إعلانها تباعاً بعد توقيع الاتفاقات ومذكّرات التفاهم التي ستُبرم بين الوزارات في البلدين. وترأّس فريد الوفدَ المصري في اجتماعات اللجنة العسكرية المشتركة بين مصر والسودان، والتي قالت القاهرة إنها تهدف إلى تعزيز التعاون الأمني، بما يساهم في «التصدّي للتحدّيات المشتركة». كما التقى رئيس الأركان المصري رئيس «المجلس السيادي» السوداني وأعضاءه لمناقشة تفاهمات عديدة. وسبق أن اتهمت إثيوبيا، مصر، بشكل مباشر، بالتحريض على التوتُّرات على الحدود السودانية ــــ الإثيوبية، والتي تَجدّدت مع استمرار أزمة إقليم تيجراي، وتمرُّد قادته على الحكم المركزي في أديس أبابا.

لا تبدو الوساطة العربية التي حاولت مصر الاستعانة بها فاعلة في ظلّ اختلاف الأولويات والأجندات


وتحاول الكونغو، الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي، الوصول إلى صيغة تَجمع البلدان الثلاثة لاستئناف المفاوضات، في وقت ترفض فيه القاهرة الانخراط في مفاوضات معروفة نتيجتها مسبقاً بإصرار إثيوبيا على الملء الثاني لخزان السدّ في موعده حتى في حال عدم التوافق. وتراهن مصر على أن إشراك خبراء واختصاصين من الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة كوسطاء سيساهم في حلحلة كثير من الأمور، وتحميل المسؤولية للطرف المُتعنّت، بما يخدم المواقف المصرية والسودانية دولياً. وتترقّب القاهرة الموعد المناسب للعودة بالملفّ إلى مجلس الأمن الدولي مجدّداً، بعد إثبات إخفاق الوساطة الأفريقية. ولذا، فهي تعدّ ملفّاً مشتركاً مع الخرطوم حول التداعيات الكبيرة التي ستطال الملايين في البلدين نتيجة الخطوة المنفردة التي تعتزم إثيوبيا القيام بها.
وعلى رغم اتّخاذ إدارة جو بايدن قراراً بالعدول عن تعليق جزء من المساعدات الأميركية لأديس أبابا، إلّا أن التدخُّل الأميركي على خطّ أزمة السدّ لا يزال بطيئاً، لأسباب مرتبطة بأجندة الأولويات الأميركية في المنطقة، والمتركّزة في الوقت الحالي على أزمة إقليم تيجراي. إلا أن القاهرة تعتقد أن إدارة بايدن، التي تحاول إظهار الحياد الذي تبنّته إدارة دونالد ترامب في شهورها الأخيرة، لا يعني أن واشنطن قرّرت رفع يدها نهائياً عن الملفّ. كما تعتقد أن التحرُّكات المصرية لتبنّي مواقف مشتركة وواضحة مع السودان، وإنهاء أيّ انقسامات أو خلافات في وجهات النظر بين الطرفين، سيكون من شأنها التأثير بشكل إيجابي على مسار المفاوضات.
أمّا الوساطة العربية التي حاولت مصر الاستعانة بها، فلا تبدو فاعلة، في ظلّ اختلاف الأولويات والأجندات بين القاهرة والعواصم الخليجية، فضلاً عن الاكتفاء الخليجي بالدعم الدبلوماسي لمصر، من دون ممارسة أيّ ضغوط اقتصادية، وهو السلاح الذي تسعى القاهرة إلى تفعيله من أجل محاصرة أديس أبابا، سواء من دول الخليج أو من الاتحاد الأوروبي. كذلك، تعتزم مصر التوجُّه إلى مجلس الأمن حال بدء إثيوبيا بالملء المنفرد لخزان السدّ للمرّة الثانية، وخاصة أن هذه المرّة ستكون ذات تأثير كبير على خزّان بحيرة ناصر، ليس للكمّيات الكبيرة التي سيتمّ تخزينها فقط، بل للأزمة التي سيتسبّب بها التخزين بالنسبة إلى القاهرة، نتيجة عدم الاتفاق على تقسيم حصّة المياه المنقوصة بين القاهرة والخرطوم، وهي نقطة تحاول أديس أبابا اللعب عليها لإفشال الجهود المصرية في تشكيل جبهة واحدة بمواجهتها.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا