القاهرة | بعدما نجح الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في تمرير افتتاح تفريعة قناة السويس الجديدة خلال عام، باعتبارها «مشروعاً قومياً» بغضّ النظر عن جدواه الاقتصادية والعائد منه ومدّة تنفيذه، تَوسّع النظام في استخدام وصف»مشروع قومي»، ساعياً في إزالة جميع العقبات القانونية أمام تنفيذ مشاريع من هذا النوع، وذلك من خلال التعديلات التي أُدخلت على قانون البناء عام 2018. صحيح أن بعض المشروعات تقتضي إنجازها بسرعة، لكن ما «قَنّنه» النظام هو أسلوب نزع الملكية بإجبار الملّاك على توقيع عقود رسمية، إلى جانب الإسناد بالأمر المباشر الذي تَوسّع فيه لمصلحة شركات محدّدة يمتلكها رجال أعمال تابعون للنظام، أو من خلال «الهيئة الهندسية للقوات المسلحة» التي تستحوذ على غالبية المشاريع، وتُسنِد أجزاء كبيرة منها إلى مقاولين يقومون بتنفيذها باتفاقات بخسة في كثير من الأحيان.

قبل وصول السيسي إلى الحكم، تَمكّن محامون عدّة من إجبار الحكومة، بأحكام قضائية، على مراجعة آلية تخصيص عدد من الأراضي والمشروعات، وإبطال بعض عمليات الإسناد، نظراً إلى المخالفات القانونية التي شابت هذه العملية، وتَسبّبت في ترسية العطاءات على أشخاص بعينهم دون غيرهم. لكن السيسي عاد وأبطل تنفيذ تلك النصوص بموجب تعديلات قانونية وَسّعت من صلاحية الحكومة وسلطتها في الإسناد بالأمر المباشر. وخلال الشهور الماضية، بدأت عملية مراجعة لوضع الآلاف من المباني الموجودة على جانبَي الطريق الدائري الذي يحيط بالقاهرة الكبرى، بسبب عملية التوسعة الجارية للطريق في المناطق الأكثر ازدحاماً التي سيتمّ فيها هدم العقارات وتعويض أصحابها، لكن قيمة التعويض لن تكون مساوية لقيمة المباني في السوق العقاري، وخاصة أن غالبيتها حاصل على تراخيص بالفعل بشكل قانوني.
تَفرض الحكومة مبالغ محدّدة للتعويضات بدعوى أن هذه العملية «مشروع قومي»، وهو ما أثار غضب كثير من الأهالي، وأَجّل عملية إزالة بعض العقارات بالفعل خلال الأسابيع الماضية.

بات تفريغ الوزارات من قياداتها وسيلة إضافية لتعزيز سيطرة الجيش على المشروعات


على أن هذا التوسّع لن يقتصر على المساكن الموجودة في القاهرة، بل سيمتدّ إلى القرى التي تنتظرها عملية «تطوير» كشف ملامحها السيسي أخيراً في زياراته، من أجل «تحسين جودة الحياة»، كما يصف الخطّة التي تواجه عجزاً مالياً كبيراً. وفي الأسبوع الجاري، اعتبرت الحكومة عملية «تطوير» القرى من «المشروعات القومية» من أجل تسهيل الإجراءات المتّصلة بها، وخاصة أن المدى الزمني في غالبيتها سيستغرق شهوراً فقط، وفق رؤية «الجنرال» التي لم تراعِ الأسر والعائلات وما سيحدث لها حتى لو لم تُشرَّد. إذ إن مجرّد فكرة الانتقال من منزل إلى آخر، أو اعادة هيكلة القرى نفسها وبناء منازل جديدة تختلف في طبيعتها عن المنازل الخاصة للأهالي، أمر ستكون له تبعات، وإن لم تظهر على الفور.
ويستهدف توسيع استخدام عبارة «المشروعات القومية» إلى إسناد المزيد من المشروعات إلى «الهيئة الهندسة للقوات المسلحة»، والتي باتت تتولّى التخطيط والتنفيذ باعتبارها وزارة بديلة للإسكان، منتزِعةً صلاحية عدّة وزارات حكومية، مع سرعة في التنفيذ وإسناد بالأمر المباشر إلى الشركات التي بات كثير منها يقوم بسداد رشى لضباط من أجل الحصول على فرصة العمل في المشروعات، على رغم تدنّي العائد بسبب احتكار الجيش العمل. نجحت خطّة السيسي في الوصول بالشركات الخاصة إلى القبول بأدنى ربحية ممكنة مقابل ضغط عمل على مدار الساعة لتحقيق سرعة الإنجاز، بما جعل التنافسية التي كانت موجودة قبل وصوله إلى السلطة غير متوافرة، مع تقييد جميع القوانين وتعديلها بصورة تمنع الاعتراض على أيّ عمل يُقرّر الرئيس تنفيذه، وتعمل الحكومة على خلق موارد مالية له، سواء بالاقتراض من الخارج أو حتى بأموال السندات، بغضّ النظر عن العائد المادي من تنفيذه.
في المقابل، بات تفريغ الوزارات من قياداتها، وخروج الأجيال الكبيرة إلى التقاعد، وتصعيد قيادات وسطية، مع غياب تعيينات جديدة، وسيلة إضافية لتعزيز سيطرة الجيش على المشاريع بشكل كامل، حتى مع الاستشارات الشكلية التي يتمّ إبلاغ الوزارات بها. فالجيل الوسط يتنافس على نيل رضى العسكريين، والكبار يتقاعدون إمّا بالمعاش المبكر أو بلوغ سنّ التقاعد، الأمر الذي ستَظهر آثاره في العديد من القطاعات خلال ثلاث سنوات على أقصى تقدير، ولا سيما مع استمرار الدولة في وقف التعيينات إلا باستثناءات عليا.