عندما خرج الشباب المصريون للمطالبة بـ«العيش والحرية والعدالة الاجتماعية» في 25 كانون الثاني/يناير، لم يكن يتخيّل كثيرون منهم أن تكون النهاية مجرد البحث عن لقمة العيش وسط غلاء المعيشة والتزايد في الأسعار على نحو فاق الدخول، مقابل صعود لطبقة شباب اختارها النظام لتكون معبّرة عنه، مع أن أصحابها لا يملكون أي مهارات سوى الولاء والطاعة والقدرة على تبرير الشيء ونقيضه في الوقت نفسه!

تمرّدُ الشباب وخروج عدد من الحراكات (بعضها له قاعدة جماهيرية) دفعا النظام الحالي إلى صناعة جبهة الشباب الخاصة به، التي تبرر كل ما تفعله الدولة مقابل بعض الامتيازات المادية والعينية كالترشيحات في البرلمان أو ترقيات لا يستحقونها. هذه «المغانم» كانت السبب الرئيسي في خلافاتهم بل الزجّ بأسماء «الكبار»، كما حدث مع الضابط أحمد شعبان، عندما خرجت فتاة من الشباب غاضبة لأنها لم تكن ضمن ترشيحات مجلس النواب، أو كما قصة أحمد رأفت، الشاب من ذوي الاحتياجات الخاصة، الذي قرّر الرئيس عبد الفتاح السيسي إلحاقه بوظيفة مدنية بالجيش بعدما كشف جزءاً من المساومات في إعداد القوائم الانتخابية.

اختار هذا النظام شراء الذمم وإنشاء «تنسيقية» معارضة شكلياً


«شباب السيسي» هم هؤلاء الذين يقضون أياماً في الفنادق على نفقة الدولة، ولو بصورة غير مباشرة، ليشاركوا الرئيس في مؤتمراته، وهم الذين يدافعون عن سياسات «الجنرال» أياً تكن دون أي علاقة لهم بالشارع، بل يحمّلون المواطنين المسؤولية عن أخطاء الدولة على مدار سنوات. مقابلهم، هناك في السجون عشرات الشباب المسجونين بقضايا فضفاضة ولا أحد يتحدث عنهم، بعدما قرر النظام سجنهم بل مضايقة أسرهم عند زياراتهم، في وقت يجلس الذين اختاروا الانحياز إلى النظام في فنادق وقاعات فارهة!
احتواء الدولة للشباب بعد «25 يناير» لم يكن على طريقة «التنظيم الطليعي» كما في حكم جمال عبد الناصر ولا «لجنة السياسات» كما فعل نجل المخلوع الراحل، جمال مبارك، بل هذه المرة عبر «البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة»، بجانب «تنسيقية شباب الأحزاب» التي تحوّلت إلى ذراع متخفّية لإظهار معارضة شكلية في البلاد لكنها في الحقيقة من وسائل النظام ليس للنيل من منتقديه ومعارضيه فقط بل لإقصاء المعارضة الحقيقية من المشهد.
أما شباب «25 يناير» الذين طالبوا بالحياة الكريمة والعمل اللائق، فهم الآن في السجن أو المنفى، أو يركضون وراء لقمة العيش بالعمالة اليومية في المشروعات، خاصة أن الذين جدّوا واجتهدوا ليلتحقوا بـ«كليات القمة» لم يجدوا عملاً بعدما أغلقت الدولة الوظائف أمام الجيل الحالي ورفضت تعيين مئات الآلاف من الخرّيجين، مكتفية بوظائف «اليومية» في المشروعات، لتخرج وتقول إن الشباب ليست لديهم رغبة في العمل ويفضلون الجلوس في المنزل! انتهت الثورة فعلاً، وبات من أراد أن يحسّن دخله وحياته اليوم ضحية لارتفاع الأسعار الجنوني محمَّلاً بضرائب ورسوم تضاعفت عشرات المرات.