القاهرة | رغم الاعتقاد السائد بسيطرة «المخابرات العامة» على مجلس النواب، جراء الآلية التي اتُّبعت لدعم بل اختيار غالبية أعضاء المجلس سواء أكانوا المنتخبين بنظام القائمة أم الذين ترشحوا إلى المقاعد الفردية، فإن انعقاد أولى جلسات البرلمان قبل أقل من أسبوعين كشف عن مفاجآت كثيرة، بينها حالة الغضب لدى جناح وزير المخابرات، اللواء عباس كامل، على عدد من النواب، خاصة المحسوبين على أجهزة أمنية أخرى. المفاجأة الكبرى هي منع وكلاء البرلمان من الظهور على الشاشات وغيرها من الوسائل التي يسيطر عليها كامل، بل تصعيد الهجوم على بعض النواب وإقصاؤهم في انتخابات لجان المجلس عبر الغالبية التي يمثلها حزب «مستقبل وطن» التابع للمخابرات والمتحكم الأول في أي قرارات أو قوانين، وهو ما دفع إلى إقصاء رئيس البرلمان السابق، علي عبد العال، وانتخاب رئيس «المحكمة الدستورية» السابق، حنفي الجبالي، رئيساً.

مع أن عملية التمهيد الإعلامي كانت مكثفة لـ«برلمان جديد ومختلف»، وفق وصف إعلام المخابرات، جاء أول قانون أقره البرلمان الجديد بزيادة الرسوم على المواطنين لمصلحة «صندوق رعاية أسر الشهداء والمصابين» الذي بات يعتمد على جيوب الناس في تمويله مع سعي الدولة لتحقيق ربح منه، وستكون رسومه مفروضة على غالبية الأوراق الحكومية وغير الحكومية، ليضاف عبء جديد حتى لو كان صغيراً نسبياً على الأعباء التي وضعها البرلمان السابق. في هذا البرلمان أيضاً ثمة حلبة صراع قديمة ــ جديدة بين الأجهزة السيادية خاصة مع الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها المجلس نظرياً في محاسبة الوزراء ومراجعة برامجهم، الأمر الذي أرجأ التعديل الوزاري حتى الانتهاء من تقييمات الوزراء التي باتت على طاولة الرئيس وتشمل هذه المرة وزير الخارجية، سامح شكري، المرشح للاستبعاد على أن يخلفه سفير مصر السابق لدى واشنطن، ياسر رضا. كذلك، يراجع البرلمان حالياً الوزراء كافة بداية من رئيس الحكومة، مصطفى مدبولي، الذي حصد استحساناً أكد بقاءه، مع تفاوت في تقييم بقية الوزراء إذ يجري الاستماع لهم في جلسات ستستمر حتى منتصف الشهر المقبل.

من المرشّحين للإقصاء قريباً وزير الخارجية سامح شكري


«حرب الأجهزة» ليست في القضايا التي ستُثار أمام الرأي العام من أجل إشغاله عن قضايا أخرى أكثر أهمية، بل ترتبط بطريقة إدارة العلاقة بين النواب وما سيناقشونه، وهو ما انعكس على فتح الملفات وتحديد الأولويات وفق رؤية المخابرات لا النواب الذين لا يشغلهم سوى الظهور الإعلامي والامتيازات التي حصلوا عليها وفي مقدمتها الحصانة. هكذا، جاءت بداية تصفية الحسابات مع وزير الدولة للإعلام، أسامة هيكل، على نحو جعل وكيل «لجنة الإعلام» ومساعده السابق، نادر مصطفى، يهاجم هيكل خلال وقوفه على منصة البرلمان متهماً الرجل الذي كان رئيساً لـ«لجنة الإعلام» قبل توزيره في نهاية 2019 بأنه السبب في العداء بين الهيئات الثلاث التي تدير المنظومة الإعلامية وفق الدستور، في الوقت الذي يشغل منصب وزير بلا حقيبة. الهجوم لم يكن من نادر فقط بل من غالبية المحسوبين على المخابرات بداية من زعيم الغالبية، رئيس الهيئة البرلمانية لـ«مستقبل وطن»، أشرف رشاد، الذي اتّهم هيكل بالجمع بين منصبه الوزاري ورئاسة «مجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامي» بما يخالف الدستور، وصولاً إلى الشقق التي اشترتها مدينة الإنتاج في عهده بالأمر المباشر.
صحيح أن هيكل تحدث عن خسائر الهيئات الإعلامية المتراكمة لكن حديثه جانبه الصواب في التفاصيل، ليتكشّف فصل جديد من الخلافات حول حجم الخسائر والمتسبب فيها بداية من بيانات «هيئة الإعلام» التي تحدثت عن مديونية بالمليارات مروراً بـ«هيئة الصحافة» التي حمّلت سابقيها مسؤولية الخسائر وصولاً إلى بيان «مدينة الإنتاج» الذي تكلم عن «كذب هيئة الإعلام» وكشف جزءاً من خسائر تشارك الهيئة في ملكية أسهمها، في خطوة عكست إخفاء كثير من الأرقام والمعلومات لسنوات. على أي حال، هيكل الذي اختاره عبد الفتاح السيسي، وهو محرر عسكري سابق، سيكون أول الوزراء الراحلين في التعديل المقبل خاصة بعد إقصائه من الاجتماعات المهمة وإخفاقه في إدارة الإعلام نتيجة تمرد مسؤولي الهيئات كافة على قراراته، بعد حصولهم على الدعم من كامل الذي يسعى إلى تشويه صورته وإبعاده من أي دور. وفي هذا، كما تريد المخابرات، رسالة إلى بعض الوزراء الذين أبدوا امتعاضهم من رجال اللواء ممن يجبرونهم على تعيين شخصيات في المناصب القيادية في الوزارات وفق ترشيحات شباب «البرنامج الرئاسي» المقربين من مساعد كامل، الضابط أحمد شعبان.