القاهرة | طوت مصر صفحة التعاون القضائي مع إيطاليا في واقعة مقتل الباحث الإيطالي، جوليو ريجيني، عام 2016، أي بعد أربع سنوات من التحقيقات التي انتهت إلى نتائج متضاربة، ظَهّرها بيان مشترك بين نيابة الجمهورية في روما والنيابة العامة المصرية فنّد أدلّة كلّ فريق تحقيق وقناعاته. وفيما تمسّكت الأولى بتوجيه الاتهام إلى خمسة ضباط (أُحيل أحدهم إلى التقاعد قبل ثلاث سنوات)، أغلقت الثانية التحقيق بتقييدها القضية ضدّ مجهول، لكن مع إقرارها بأن خمسة أشخاص آخرين، جرت تصفيتهم في إحدى سيّارات الأجرة على أطراف العاصمة بعد شهور من الحادث، هم مَن سرقوا محتويات خاصة بالباحث قبل مقتله، لكنهم ليسوا على صلة بالقتل الذي جرى بعد تعذيب ريجيني واختفائه لأيام.

وعُثر على ريجيني في شباط/ فبراير 2016 عقب أيام من اختفائه وسط القاهرة، بعدما ألقته سيّارة مجهولة على أطراف العاصمة. وتعتقد روما أن الباحث خضع لمراقبة أجهزة الأمن المصرية التي حاولت بطرق شتّى نفي صلتها بواقعة اختطافه واختفائه وتعذبيه. ولم تتعاون القاهرة قضائياً مع روما في البداية، لكن الضغوط التي مارستها الحكومة والبرلمان الإيطاليان كان لها دور في إجبار النيابة المصرية على الاستجابة، ولا سيما أنها ترافقت مع الضغوط الاقتصادية والتصعيد الشعبي والإعلامي والسياسي من أجل معرفة الحقيقة، إذ إن ريجيني اختفى بالتزامن مع دعوات احتجاجية واستنفار أمني إبّان ذكرى «ثورة 25 يناير».

حاول المصريون خلال 4 سنوات تقديم أدلّة لنفي تعذيب ريجيني


البيان المشترك حمل ما يشبه تسوية بين الجانبين، أهمّ ما فيها بالنسبة إلى القاهرة هو التأكيد الإيطالي أن ما حدث لم يتجاوز وقائع فردية لضبّاط من دون صلة بمؤسسات الدولة، في ما من شأنه تأكيد احترام مصر للأجانب على أراضيها، وهي الصيغة السياسية التي اتّفق عليها مسؤولو البلدين في الاجتماعات الثنائية خلال الأسابيع الستة الماضية، بعد توقف التحقيق على خلفية جائحة كورونا. هكذا، أقرّت مصر بتعرّض ريجيني للسرقة، ومقتل الجناة، والعثور على بعض ما كان بحوزة الباحث في منازل المتهمين. أمّا الجريمة الأساسية، ففاعلها لا يزال هارباً ولا تعرفه الأجهزة الأمنية، ولذلك ستغلق الملف مؤقتاً حتى التوصّل إلى أدلة جديدة. من جهتها، أعربت نيابة روما عن اقتناعها بتنفيذ الضبّاط الخمسة الاختطاف والتعذيب الذي أدّى إلى القتل وفقاً لتقرير التشريح الإيطالي، فيما جاءت الوفاة نتيجة كسر في الرقبة.
وعلى مدار السنوات الماضية، حاول المصريون تقديم أدلّة مختلفة لنفي تعذيب ريجيني، بين الإشارة إلى تعرّضه لحادث سيارة أو دخوله في علاقة جنسية تسبّبت في مقتله وسرقته، وصولاً إلى تقديم شهود بأقوال مزوّرة حول طبيعة علاقتهم مع باحث الدكتوراه الذي تَمسّك بلده بالتحقيق في وفاته، على رغم المحاولات المصرية لإيقاف التحقيقات، بل عرقلتها وإدخالها في أنفاق مظلمة لمرّات. وبموجب البيان المشترك بين النيابتين، ستبدأ إيطاليا المسار القضائي الخاص بمحاكمة الضبّاط الخمسة الذين توصّلت إليهم، وخلصت إلى قناعة بتنفيذهم التعذيب والقتل، فيما سترفض مصر تسليم أيّ بيانات عن الضباط، سواء عناوينهم أو طبيعة عملهم في الداخلية خلال الحادث، فضلاً عن السماح بتسليمهم لمحاكمتهم.
وجهة النظر المصرية تقوم على أن القضية انتهت عند هذا الحدّ، وهو حلّ مرضٍ لن يؤثر في العلاقات مع ايطاليا خاصة أو الاتحاد الأوروبي عامة، مع توصية الأجهزة المعنيّة الضبّاط المتّهمين بتجنّب السفر إلى أيّ من دول الاتحاد مستقبلاً، وكذلك الدول المُوقِّعة لاتفاقات تسليم المجرمين للجانب الإيطالي حتى الانتهاء من الجانب القضائي في روما ومعرفة الأحكام التي ستصدر، وذلك لبحث آلية للتعامل معها عندئذ، مع الأخذ في الاعتبار أن استنزاف الوقت يقوّي موقف القاهرة الراغبة في تجنّب المزيد من التنازلات.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا