القاهرة | مَثّل توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر واليونان، الخميس الماضي، خطوة استفزازية جديدة في سياق التوتّر المصري - التركي من ناحية، واليوناني - التركي من ناحية أخرى، إذ تَوصّلت القاهرة وأثينا إلى اتفاق واضح يحدّد الحدود البحرية بين البلدين، ليضاف إلى الاتفاقات التي وقّعها كلّ منهما مع جيرانه من أجل تقاسم ثروات المتوسط، وهو ما لا يتوافق مع رغبة أنقرة التي تريد اتّباع معايير مختلفة في ترسيم الحدود.

وبموجب الاتفاقية المصرية - اليونانية، يُعدّ جزء كبير من الحدود البحرية التي رسّمتها الاتفاقية المُوقّعة بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حكومة «الوفاق» الليبية فائز السراج، غير موجود من الأساس، علماً بأن الخطوة المشتركة بين مصر واليونان استندت إلى «اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار» (1982)، والمُوقّعة من قِبَل البلدين، فيما لم تُوقّع عليها كلّ من تركيا وإسرائيل.
وترى تركيا في الاتفاقية المصرية - اليونانية انتهاكاً لحقوقها في منطقة أعالي المتوسط، وللحقوق الليبية أيضاً. وإذ تقول القاهرة إن ما أقدمت عليه يطابق الاتفاقيات الدولية، تَعدّ أنقرة ذلك مجرّد ادّعاءات. ومن بعد توقيع الاتفاقية الأخيرة، ستعمد مصر واليونان إلى إرسالها للأمم المتحدة، لتكون مصر بهذا قد أنهت تحديد مناطق التنقيب الخاصة بها عن الغاز، بعدما وَقّعت اتفاقية مماثلة مع قبرص قبل سنوات، فيما تتبقى لها اتفاقية وحيدة يفترض تطبيقها مع السلطة الفلسطينية في شأن الحدود البحرية الموجودة مع قطاع غزة.

ستعمل مصر على تسريع وتيرة الإجراءات تمهيداً لإرسال الاتفاقية إلى الأمم المتحدة


تستفزّ أنقرة، القاهرة، بعمليات مسح جيولوجي في المتوسط، تجريها من خلال سفنها الخاصة، والتي اعترضت الخارجية المصرية على عملها بشكل معلن، في وقت لا يتوقع فيه أن تبدأ أيّ من الدول الثلاث، حتى إشعار آخر، عملية التنقيب في المناطق التي يمكن أن تُسبّب توتراً، خاصة في ظلّ الرغبة في اجتناب أيّ احتكاكات عسكرية. ومن هنا، تسعى مصر إلى العمل في المناطق غير المتنازع عليها بشكل رئيس أولاً، في انتظار ما ستسفر عنه الجولات المقبلة، ولا سيما بين تركيا وأوروبا، بعد المنازعات التي شهدتها الأسابيع الماضية، وتحديداً تلك المرتبطة بقبرص واليونان.
تتمسّك مصر بالعمل الدبلوماسي، محاوِلةً إرجاء أيّ صدامات، وهو ما ينبئ به بشكل واضح تأجيل الإعلان عن أيّ تفاصيل أو مواقف رسمية حتى آخر اللحظات الممكنة، مثلما حدث لدى صدور البيان المصري قبل يوم واحد من انتهاء مدّة البحث المُخصّصة للسفينة التركية. وإذا كانت تداعيات الاتفاقية المصرية - اليونانية بحاجة إلى بعض الوقت للظهور، فإن المؤكد أن القاهرة لن تقدم على بدء التنقيب في المناطق المنصوص عليها في الاتفاقية حتى بداية العام المقبل على الأقلّ، في ظلّ ضرورة اعتماد الاتفاقية من قِبَل مجلس النواب وإقرارها من قِبَل رئيس الجمهورية.
وفي هذا الإطار، ستعمل مصر على تسريع وتيرة الإجراءات الداخلية من أجل إرسال الاتفاقية إلى الأمم المتحدة في أقرب وقت ممكن، للحصول على ضوء أخضر لبدء التنقيب، فيما ستقوم اليونان بالأمر نفسه لدعم العمليات التي ترغب في القيام بها. وتؤمّن الاتفاقية للقاهرة احتياطياً كبيراً من الغاز في المنطقة، وتنهي احتمال نزاعات كانت متوقّعة مع أثينا، في الوقت الذي تبدو فيه مصر مطمئنة إلى موقف ليبيا في المستقبل، استناداً إلى الاتفاقيات الدولية المُنظّمة للمناطق الاقتصادية الخالصة في أعالي البحار.