القاهرة | شهد استئناف المفاوضات بشأن ملء سدّ النهضة وتشغيله، تجاذبات حادّة بين الوفدَين المصري والإثيوبي، للمرة الأولى منذ بدء التفاوض. وقد جاء ذلك نتيجة المراوغة التي تعتمدها إثيوبيا، واستخدام العبارات الفضفاضة، فضلاً عن إهدار الوقت، في حين اتخذ السودان موقفاً أكثر حدّة، وطالب بحسم الأمور بشكل كامل، قبل نهاية الشهر الحالي.

اللقاء الذي جرى عبر تقنية الـ«فيديو كونفرانس»، بمشاركة مسؤولين من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لم يتضمّن أي جديد سوى تصعيد لغة الانتقاد المصرية ـــــ السودانية في مواجهة الإجراءات الإثيوبية، في وقت التزمت فيه أديس أبابا سياسة محاولة فرض الأمر الواقع، ومناقشة التفاصيل نفسها التي جرت مناقشتها سابقاً. في المقابل، سجّلت القاهرة والخرطوم اعتراضهما، بشكل واضح وصريح، على الخطوة الإثيوبية الأحادية الجانب، المتمثّلة في البدء بملء السد، بما يتعارض مع اتفاقية إعلان المبادئ الموقّعة بين البُلدان الثلاثة، عام 2015 في الخرطوم.
وقد جاء استئناف المفاوضات، يوم أمس، برعاية الاتحاد الأفريقي، ورئاسة جنوب أفريقيا ــــ الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي ـــــ إلى جانب وزراء الري في كلٍّ من السودان ومصر وإثيوبيا. وخلال اللقاء، ظهرت لغة سودانية حاسمة في كلمة وزير الري السوداني ياسر عباس، الذي أكّد أنّ التحرّك الإثيوبي المنفرد بالبدء بتخزين المياه خلال موسم الأمطار، أثار القلق من تكرار هذا الأمر في المستقبل، بما له من تبعات سلبية على دولَتي المصب بشكل رئيسي، خصوصاً المزارعين المتضرّرين من حجز المياه في بحيرة السد.
وللمرة الأولى، طالبت الخرطوم بحسم المفاوضات في غضون أسبوعين، مع انطلاق المفاوضات الفنية، يوم الخميس المقبل، والتي ستمتدّ لأسبوعَين. ومن المتوقّع أن يتمّ تحديد أجندة واضحة تتضمّن دوراً أكبر للمراقبين في تقريب وجهات النظر، فضلاً عن موافقة الخرطوم المبدئية على الحلول المُقترحة من الخبراء المشاركين في المفاوضات.

طالبت الخرطوم بحسم المفاوضات في غضون أسبوعين


وفي هذا الإطار، طلب السودان، عبر وزير الري، عدم عرض أي قضايا جديدة على طاولة المفاوضات، من أجل تسهيل الوصول إلى اتفاق ملزِم بشأن ملء سد النهضة وتشغيله، والمشاريع المستقبلية على النيل الأزرق، وبما يضمن سلامة سد الروصيرص السوداني، مع تبادل المعلومات وفق مقتضيات القانون الدولي. ويحمل كلام الوزير السوداني إشارة إلى المراوغة الإثيوبية بعدم أعطاء أي بيانات واضحة عن سد النهضة والإجراءات المتّخذة، إلا بعد الانتهاء منه.
التوافق المصري ـــــ السوداني لم يكن متكامل الأركان، فبينما ترغب القاهرة في إرجاء أيّ مفاوضات حول المشاريع المستقبلية إلى وقت لاحق، واقتصار التفاوض الحالي على سد النهضة، ترغب الخرطوم في إنهاء الأمور العالقة، بما فيها المشاريع المستقبلية. وتنطلق الرغبة المصرية من فكرة أنّ هناك وقتاً طويلاً يمكن استغلاله مستقبلاً، في الوصول إلى حلول عادلة بشأن المشاريع الإثيوبية المحتملة على حوض نهر النيل.
وفي هذا السياق، طلبت مصر أن تجري مناقشة النقاط الخلافية بشكل تفصيلي، خلال الاجتماعات التي انطلقت أمس وتستمر يومين، بينما ستنعقد اللجان الفنية والقانونية بشكل متواز، من أجل الوصول إلى رؤية وحلول للنقاط العالقة، على أن ترفع تقريراً تفصيلياً إلى الاجتماع الوزاري المقرّر انعقاده صباح غدٍ الخميس.
وعلى الرغم من المأساة التي خلّفها انهيار سد بوط في السودان، إلّا أنّ مصر أصبحت أكثر المستفيدين من ذلك، بسبب زيادة كمية المياه التي ستصل إليها، والتي تُقدّر بـ5 مليارات متر مكعّب تقريباً، وهي الكمية نفسها تقريباً التي قامت إثيوبيا بتخزينها. وسيدفع هذا الأمر مصر إلى إعادة تخزين كميات المياه المستخدمة من بحيرة ناصر، وهو ما سيمثّل تحدياً في المستقبل، مع إعادة بناء السد وملئه.