القاهرة | بدت الأجهزة السيادية في مصر كأنها مستعدّة لتلقّي إعلان وفاة الرئيس المخلوع، محمد حسني مبارك، في أيّ ساعة. فالخبر لم يكن سرّاً، وتدهور حالة الرجل الصحية في الأيام الأخيرة جعل النبأ متوقعاً بين لحظة وأخرى. ولذا، ظهر أن ثمة ترتيبات مسبقة للتعامل مع الإعلان، وتأبين الشخصية التي مهّدت الطريق مبكراً لوَرَثتها في البلاد بتعيينها في العام الأخير من حكمها عبد الفتاح السيسي مديراً لـ«المخابرات الحربية». وعلى رغم أن الرئاسة تأخّرت في إعلان الحداد ثلاثة أيام، إلا أن تعامل أجهزتها الإعلامية مع الحدث انطوى على إثناء على «جهود الراحل»، خاصة خلال قيادته القوات الجوية، وإشادة بدوره في «تجنيب» البلاد صراعات عديدة، في ظلّ تغيّر النظرة السلبية إلى سنوات حكمه مقارنة بالأوضاع التي أعقبت «ثورة 2011»، وما تبعها من تردٍّ في الاقتصاد والحريات.

اللافت أن الرئاسة اضطرت إلى إعلان الحداد بعد قرار الإمارات تنكيس الأعلام ليوم واحد على مبارك، ومن ثمّ توالي اتصالات التعزية للسيسي من قادة الخليج. كما اضطرت الدولة إلى تفسير إقامة جنازة عسكرية رسمية (مقرّرة ظهر اليوم) من مسجد المشير طنطاوي، بأن الأمر مرتبط بقانون صدر عام 1979 في عهد أنور السادات، ينصّ على «تكريم جميع القادة العسكريين المشاركين في حرب أكتوبر». ونعت رئاسة الجمهورية، في بيان أمس، مبارك، «ببالغ الحزن لِمَا قَدّمه إلى وطنه كأحد قادة وأبطال حرب أكتوبر المجيدة، حيث تولّى قيادة القوات الجوية أثناء الحرب التي أعادت الكرامة والعزة إلى الأمة العربية»، كما صدر نعي من نائب رئيس الجمهورية الأسبق، محمد البرادعي، وهو المعارض البارز لمبارك ونظامه، ثمّ توالت البيانات من البرلمان والحكومة والقوات المسلحة والأزهر. وبخلاف النعي العربي، والخليجي تحديداً، كان بارزاً الرثاء الإسرائيلي الذي جاء على لسان رئيس حكومة العدو، بنيامين نتنياهو، بقوله: «كان الرئيس مبارك صديقاً شخصياً لي، وزعيماً قاد شعبه نحو تحقيق السلام والأمن، والسلام مع إسرائيل».

اضطرت الرئاسة إلى إعلان الحداد بعد تنكيس الإمارات الأعلام ليوم واحد


حياة مبارك، بعد خلعه من الحكم، عبارة عن ثماني سنوات من المحاكم والمستشفيات في غالبيتها، إذ واجه أربع قضايا رئيسة حصل في ثلاث منها على البراءة، وأهمّها على الإطلاق «قتل المتظاهرين» التي صدر فيها حكم من الدرجة الأولى بالسجن المؤبّد، قبل أن يتحوّل إلى براءة من محكمة النقض، مع إعادة المحاكمة وإثبات أن مبارك «لم يُصدر أيّ أوامر للجيش والشرطة بقتل المتظاهرين أو إطلاق الرصاص الحيّ عليهم». شكّلت هذه القضية تحديداً إحدى أبرز القضايا التي كان يُتوقع أن يُحكم فيها بالإعدام، لكنّ تَكرّر قتل المتظاهرين في وقائع أخرى، وادّعاء غياب ما يثبت الأمر المباشر بالقتل، فضلاً عن إدلاء كلّ من المشير محمد حسين طنطاوي الذي كان رئيس «المجلس العسكري» خلال المرحلة الانتقالية الأولى ووزير الدفاع، وكذلك الرئيس الحالي الذي كان مديراً لـ«الحربية»، بشهادات برفض مبارك التعرّض للمتظاهرين السلميين، كلّها شكّلت ذرائع للحكم بالتبرئة. في المقابل، أدين الرئيس المخلوع في قضية بناء قصور خاصة من أموال الدولة في مدينة شرم الشيخ، وصدر عليه فيها حكم بالسجن المشدّد ثلاث سنوات وتغريمه ونجلَيه علاء وجمال مبلغ 125 مليوناً و779 ألف جنيه، وإلزامهم معاً بردّ 21 مليوناً و197 ألفاً، فيما عمل بنفسه على تسوية قضية هدايا مؤسسة «الأهرام» بردِّ مَبالغ تُعادل قيمة الهدايا التي حصل عليها. أما قضايا الكسب غير المشروع التي فُتح التحقيق فيها بعد إخراجه من السلطة، فلم يُدن فيها.
خلال سنوات السجن، لم يعش مبارك في سجن طرة سوى مدة وجيزة، إذ قضى غالبية حبسه ما بين مستشفى شرم الشيخ، الذي نُقل إليه مع أول قرار بحبسه على ذمة التحقيقات بعد أيام قليلة من تنحيته، و«المجمع الطبي العالمي» في القاهرة، ثمّ مستشفى الجلاء حيث خضع لرعاية طبية خاصة بسبب تدهور حالته التي تَحسّنت فجأة فور انتهاء حبسه وإخلاء سبيله، ليعود إلى منزله المجاور لقصر الحكم في منطقة مصر الجديدة. خلال هذه المدة، اكتفى بإطلالات إعلامية نادرة، بدأها بتسجيل صوتي بَثّته قناة «العربية» عام 2011، وأنهاها بمقطع مصوّر نَشَره عبر قناته على «يوتيوب» في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي بالتزامن مع احتفالات «أكتوبر» التي فضّل أن يُذكّر المصريين فيها بدوره آنذاك، بعدما عمد النظام الحالي إلى تجاهله والتركيز على أبطال آخرين. وعلى رغم عروض عديدة لاستضافته من قادة الخليج، إلا أنه يُسجّل لمبارك أنه رفض الهرب، وأبدى استعداداً للمثول أمام القضاء، رافضاً تكرار نموذج الرئيس التونسي الراحل زين العابدين بن علي الذي فرّ إلى السعودية.