«إحنا فقرا قوي». هذا ما قاله الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، خلال افتتاح أحد المشروعات. لكن النهج الذي يسلكه المشير القادم من الجيش لا يعكس حقيقة ذلك الواقع، إذ أن الرئيس لا يزال يبذخ على منتديات لا عائد منها سوى ظهوره الإعلامي، على الرغم من إنفاق مئات الملايين عليها، ليس ربطاً بكلفة الاستضافة والسفر المجاني عبر «الشركة الوطنية للطيران» التي وصلت مديوناتها المتراكمة إلى نحو عشرين مليار جنيه فحسب، بل أيضاً كلفة التأمين وغيرها من المصاريف الخاصة بتلميع صورة الرئيس. مثلاً، الأسبوع الماضي، استضاف السيسي «منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامة» الذي حضره مسؤولون أفارقة. عُقد المنتدى وانتهى من دون معرفة الفائدة منه، باستثناء استقبال الرئيس عدداً من نظرائه الأفارقة الذين تعاني بلادهم أزمات أصلاً. وفي المضمون، لم يُضِف السيسي، بصفته الرئيس الدوري للاتحاد الأفريقي، في مداخلاته، أيّ جديد إلى أحاديثه السابقة عن دور المرأة المصرية في دعمه، مروراً بإجراءات الإصلاح الاقتصادي، وصولاً إلى ما يرى أنه استقرار لنظام حكمه.

ومن أسوان، التي استمر فيها المنتدى يومين، إلى شرم الشيخ التي يستمر فيها «منتدى شباب العالم» بنسخته الثالثة لأسبوع، انتقل السيسي ووزراؤه بالطائرات، فيما انتقل رجال الأمن برّاً لتأمينهم. بذخٌ واضح في الإنفاق على تنظيم الحدثين بتكلفة ربما تفوق مليار جنيه، خاصة أن الاستضافة تتمّ في كبرى الفنادق، مع زيادة في إجراءات تأمين الوزراء. وقبيل الافتتاح بيوم، اقتطع الرئيس من وقته أكثر من ساعتين ليشاهد حفلاً فنياً، قبل أن يطلّ في اليوم التالي وهو يسير على درّاجة متفقداً الأوضاع الأمنية ومشروع جامعة الملك سلمان الذي يُنفذ بالتعاون مع السعودية. في شرم الشيخ أكثر من 7500 مدعوّ أعلنت شركة الطيران أنها نقلتهم. هؤلاء سيقيم كلّ منهم على الأقلّ أسبوعاً في فنادق مختلفة، علماً أنه تم تخصيص فنادق للصحافيين وأخرى للضيوف الأجانب وثالثة لشباب «لجان تنسيقية الأحزاب» وغيرها، ما جعل غالبية فنادق المدينة تقريباً تتجاوز نسبة الإشغال فيها 90%، في ظلّ تساؤلات عن هوية المدعوّين. هنا، تُبيّن مصادر أن ثمة أكثر من 500 صحافي مصري على الأقل، غالبيتهم تتجاوز أعمارهم الأربعين. أما شباب «البرنامج الرئاسي» فعددهم يقترب من الألف، وهم يتولون مهمة التنظيم.

يقيم 7500 مدعوّ إلى «منتدى الشباب» أسبوعاً كاملاً في شرم الشيخ على نفقة الدولة

وثمة عدد مماثل تقريباً دعتهم وزارة الشباب، والهدف الأساسي كان «الفسحة» في شرم الشيخ، فالدعوة مشمولة بإقامة فاخرة ووجبات بحرية في الفنادق والاستراحات، إلى جانب طيران مدفوع. كما أن من بين المدعوين من «البرنامج الرئاسي» من كانوا سافروا في بعثات رسمية، ومع ذلك جرت توجيه الدعوة إليهم للقاء الأصدقاء على ما يبدو. واللافت هذا العام هو الحرص على توجيه الدعوات في وقت مبكر، فضلاً عن تجنب دعوة بعض الوجوه المعارضة.
وإن كان «أسوان» لم يخرج بجديد على المستوى السياسي، فإن «شباب العالم» لا تتوقع منه نتيجة مختلفة، إذ يحمل المنتدى أجندة مكررة المحتوى، خاصة في ما يتعلق بمناقشة الأوضاع في هذا البلد. أما نموذج المحاكاة لـ«الاتحاد من أجل المتوسط»، فيعبّر عن عجز المنتدى عن إحداث تغييرات حقيقية في المضمون، بالنظر إلى أن الاتحاد شبه معطّل عن العمل. ومن أبرز ضيوف «شباب العالم» هذا العام رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، بعدما كان ضيف الختام العام الماضي الرئيس السوداني المعزول، عمر البشير، ليبقى دائماً مستوى التمثيل الذي يحظى به المنتدى أقلّ من المتوقّع، على رغم توجيه دعوات إلى شخصيات رفيعة عربياً وعالمياً. هكذا، يبقى الهدف الأساسي هو تلميع صورة السيسي كرئيس يدافع عن الشباب ويمنحهم المكانة التي يستحقونها، لكن ما حدث في الجلسة الافتتاحية كان كاريكاتيرياً، خاصة بعدما صدر التوجيه برفع صور «الجنرال» على الهواتف المحمولة، وهو ما رصدته الكاميرات.