القاهرة | بعد أيام على توقيف الضابط السابق، ياسر سليم، بدعوى إصداره شيكات بلا رصيد لمصلحة «المجموعة المتحدة» التي تملكها المخابرات العامة في مصر، وتدير عبرها المؤسسات الإعلامية والكيانات الإنتاجية المختلفة، أفرجت السلطات عن سليم، منهيةً اعتقاله الذي دام لأسبوع تقريباً في أعقاب توقيفه بطريقة مهينة وترحيله في سيارة شرطة إلى السجن. هذا الضابط، الذي عمل مع المشرف على المجموعة تامر مرسي إلى ما قبل أشهر، وأسّس شركة خاصة به، هو نفسه الذي استردّت منه الدولة ملايين الجنيهات خلال الأيام الماضية، ولا سيما مع صدور نفي رسمي عن أن التوقيف جاء على خلفية شيكات بلا رصيد كما تردّد إعلامياً، لكن إلى الآن لم تُعرف التهمة التي وُجّهت إليه، أو حتى مكان التحقيق معه واحتجازه.

التعامل مع سليم، الذي كان الجميع يتودّدون إليه بسبب نفوذه في إصدار أوامر الظهور والاستبعاد من الشاشات، بل إطلاق قنوات جديدة وإخفاء أخرى، كان بمثابة رسالة تحذير لكثيرين، يتردّد أن أسماءهم باتت على قوائم المنع من السفر، وجرى إبلاغهم بهذا الأمر حتى لا يتعرّضوا لمواقف محرجة في المطار خلال محاولة السفر ولو لقضاء عطلات. ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن المخابرات استردّت خلال جلسات التحقيق الموسّعة مع سليم «كثيراً من المعلومات»، ربما أكثر من الأموال التي تمّ استردادها منه أو التي وعد بإعادتها قريباً. هكذا، خرج الضابط السابق بإفراج مشروط بقيود من بينها عدم الظهور في الأماكن العامة والحفلات، وكذلك تجنّب الحديث إعلامياً وبقاء ما حدث معه في التحقيق سراً، ولا سيما أنه اتُّهم بتسريب معلومات إلى أشخاص قريبين منه، بعدما اطلع عليها بحكم لقاءاته مع المسؤولين، ما تسبّب في إحراج للدولة.
في هذا الوقت، بدأت المخابرات، منذ السبت الماضي، بتطبيق خطة «الانفتاح الإعلامي»، بعد انتزاع صلاحيات من مدير مكتب رئيسها، المقدّم أحمد شعبان، الذي احتكر إدارة الملف سابقاً. الخطة بدأت بإطلاق برامج جديدة تتركّز على مشكلات المواطنين، وتسمح بانتقاد الوزراء إعلامياً كما كان يحدث من قبل، باستثناء وزيرَي الداخلية والدفاع. وهي تتضمّن تعليمات بظهور الوزراء على الشاشات بعدما مُنعوا من ذلك، إلى جانب التوسّع في استضافة المعارضين خاصة من النواب، لكن مع محاولة الحدّ من انتقاد الرئيس عبد الفتاح السيسي أثناء الحوارات معهم.

أُرجئ التعديل الوزاري بسبب الخلاف على إدارة ملف الإعلام

أيضاً، سيكون بالإمكان استضافة بعض المعارضين على شاشة التلفزيون المصري، الذي سينتقل إلى تقديم برنامج «التوك شو» الرئيس فيه الإعلامي وائل الأبراشي، المحسوب شعبياً على المعارضة، علماً أن الأبراشي تعرّض لإقصاء متعمّد من مدير المخابرات، اللواء عباس كامل، بسبب غضب الأخير من تكراره الانتقادات اللاذعة.
اللافت في الخطة، التي بدأ تنفيذها بإطلاق شكل جديد وبرامج جديدة على شاشتَي «الحياة» و«cbc» المملوكتين بالكامل للمخابرات، هو إعادة تصدير اثنين من الداعمين بشدة للنظام وهما: بسمة وهبة (زوجة رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان علاء عابد، وهو ضابط سابق متهم بالتعذيب)، والمحامي خالد أبو بكر الذي لم يتوقف يومياً عن التملّق للسيسي ونظامه. وكانت وهبة أوقف برنامجها خلال شهر رمضان الماضي عند عرضه على قناة «القاهرة والناس» بسبب التجاوزات التي تخلّلته، قبل أن يصدر قرار بمنعها من ممارسة العمل الإعلامي لعام، لكنها بنفوذ زوجها باتت قاب قوسين أو أدنى من العودة، وعلى شاشة تحظى بنسبة مشاهدة كبيرة هي قناة «On tv».
رهان الأجهزة الجديد قائم على إعادة استقطاب الجمهور إلى الشاشات المصرية، بعدما صارت القنوات المحسوبة على جماعة «الإخوان المسلمين»، والتي تبثّ من تركيا، هي الأكثر مشاهَدة. رهانٌ يتم في سبيل تحقيقه العمل على إحياء النَّفَس النقدي في إعلام الدولة، لكن من دون التوجّه إلى الرئيس. جرّاء ذلك، وبفعل عدم ثبات طريقة التعامل الرسمي مع الإعلام، سواء باتخاذ قرار بعودة وزارة الإعلام أم تسمية شخصيات تتولى رئاسة الهيئات الإعلامية، أرجئ التعديل الوزاري للحكومة، وسط ضبابية تطغى على المشهد.