على رغم وجود تسعة أنهار كبيرة ونحو أربعين بحيرة في إثيوبيا (بينها بحيرة تانا)، فإن نصيب المواطن فيها من المياه المخزّنة يصل إلى 34 متراً مكعباً فقط في السنة، مقابل 700 متر مكعب للفرد في مصر، وفق دراسات علمية أعدّتها جامعة القاهرة. الدراسة تضمّنت رصداً رقمياً للمياه في إثيوبيا، قال إن كمية مياه الأمطار تصل سنوياً إلى 936 مليار متر مكعب، يتبخّر 80% منها بسبب المناخ المداري وارتفاع درجة الحرارة، ليجري على السطح 122 ملياراً، يبقى منها 25 ملياراً بعد أن يخرج 97 ملياراً من الأراضي الإثيوبية: 80 ملياراً إلى نهر النيل (السودان ومصر)، وثمانية مليارات إلى كينيا، وسبعة إلى الصومال، وملياران إلى جيبوتي، فيما تعدّ إثيوبيا الدولة الوحيدة في الحوض التي لا تستقبل أيّ مياه من خارج أراضيها. هذا الواقع هو الذي يدفعها، إلى جانب أسباب اقتصادية أخرى، إلى بناء سدّ النهضة.

أما الواقع المائي في مصر، وطبقاً لورقة أعدّها وزير الريّ الأسبق محمد نصر علام الذي شارك في المفاوضات مع السودان وإثيوبيا، فإن تأثير مشاريع الهضبة الإثيوبية والسودان فيه يُعدّ بالغ الأثر بنسبة تصل إلى 90%. إذ أن الوضع المائي الحالي يعتمد بصورة أساسية على نهر النيل الذي هو المورد الرئيس للمياه بحصة سنوية مقدارها 55.5 مليار متر مكعب، خاصة أن الأمطار لا تتعدّى ملياراً واحداً في السنة على الساحل المصري الشمالي وساحل البحر الأحمر وبعض مناطق سيناء، كما أن المخزون الجوفي في الصحراء الغربية (قرب ليبيا) غير متجدّد، ولا يسمح بأكثر من ثلاثة إلى خمسة مليارات سنوياً لمدة 50 - 100 عام.

تشغيل السدّ بلا اتفاق تفصيلي سينتهي بفقدان أراضٍ زراعية كبيرة

تشرح الورقة نفسها أن كلفة تحلية المياه عالية، ولا تزيد كمية المياه المحلّاة حالياً عن 200 مليون متر مكعب، في حين أن الاحتياجات المائية تزيد على 75 مليار متر مكعب سنوياً، وهو أصلاً ما يفوق الموارد المتاحة بـ30%، علماً أن الدولة تغطي العجز حالياً بإعادة استخدام نصيب الفرد من المياه و/ أو تقليله عن 700 متر مكعب سنوياً. لكن بحلول عام 2050، وفي ظلّ معدل الزيادة السكانية الحالي، سيصير نصيب الفرد 350 متراً مكعباً فقط! إلى جانب ذلك التأثير، يحذر علام من أن بدء التخزين في «النهضة» من دون اتفاق على الآليات سيؤدي إلى فقدان مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، وانخفاض كهرباء السدّ العالي وخزان أسوان وقناطر إسنا ونجع حمادي، وتوقف عدد من محطات مياه الشرب على النيل والصناعات المعتمدة عليها، فضلاً عن تأثر محطات الكهرباء التي تعمل بالغاز وتعتمد على التبريد من مياه النيل، وفوق ما تقدم تدهور نوعية المياه في الترع، وتداخل مياه البحر في المنطقة الشمالية، وتدهور نوعية المياه في البحيرات الشمالية.
لهذا كله، يشدد المفاوضون المصريون على التفاصيل التي تخصّ السعة التخزينية للسدّ الإثيوبي. فكلما زادت هذه السعة، تفاقمت الآثار السلبية، لأن التخزين يخصم من مخزون مياه السدّ العالي الذي يستخدم حالياً لتعويض العجز، ولاسيما في السنوات التي يقلّ فيها التدفّق عن قيمته المتوسطة. معنى ذلك عملياً أنه سيظهر بعد إنشاء «النهضة» الجفاف والعجز في سنوات الفيضان المنخفضة، تماماً مثلما كما كان الوضع قبل بناء السدّ العالي. أيضاً، يركز المفاوضون المصريون على المياه التي ستُستخدم للريّ في إثيوبيا، إذ ستكون نتاج خصم مباشر من حصّتَي مصر والسودان السنويّتين، فيما تبقى السياسة التشغيلية للسدود عنصراً إضافياً في التأثير.