بفجاجة واضحة، عمد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، إلى الردّ على المقاول والممثل الهارب محمد علي، الذي تحدث عن القصور الفارهة الجاري بناؤها من دون جدوى. اعترف السيسي بصحة ما قاله المقاول الذي نفذ مشروعات مع الجيش استمرّ فيها لنحو 15 عاماً، مقرّاً ببناء عدد من القصور؛ بعضها غير معلن. وإذ دافع عن نفسه بالقول إن عمليات البناء تتم باسم الدولة المصرية، وليست ملكية خاصة به، أعلن أنه سيواصل بناء القصور والأعمال الإنشائية التي وصفها بأنها ستدهش العالم، ومن بينها المباني التي يجري تشييدها في العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة العلمين الجديدة.

لم ينجح «الجنرال»، الذي تحدث خلال جلسات «المؤتمر الوطني للشباب» المقام خصّيصاً للرد على علي (الذي يُتوقع أن يواصل نشر مقاطع مصورة)، في تكذيب المقاول الهارب إلى إسبانيا في شأن المشاريع التي يجري تنفيذها بالأمر المباشر وبتكليفٍ من الجيش، على رغم أنه لجأ إلى إظهار ضخامة ما «أنجزه» الأخير في مدة قصيرة. ظهرت واضحة على الرئيس حالة الارتباك خلال الحديث عن هذا الأمر أكثر من مرة، فتطرق إلى المسألة على أنها الحدث الأهم في مصر، متهماً علي بأنه يسعى إلى هدم الدولة، ومنتقداً كثرة المتابعة التي حظيت بها الفيديوات التي يبثها، وانتشارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وبينما حرص السيسي على تأكيد طهارة يده ونظافته من تهم الفساد، بل واحتفاظه بفواتير الطعام الخاصة به في القصر الرئاسي، لم يقدّم أي معلومات واضحة أو ردوداً مقنعة على عمليات الإسناد بالأمر المباشر أو الجدوى الاقتصادية من المشاريع التي ينفّذها، وخاصة في قطاع الإنشاءات العقارية، بعدما أدى التوسع فيها بصورة غير مسبوقة إلى حالة من الركود وصعوبة في البيع. الرئيس، الذي تضايق من الحديث عن مسألة وفاة والدته والمقبرة التي تم تجهيزها على أعلى مستوى لها في زمن قصير، اعترف بوجود تجهيزات تجاوزت قيمتها مليوناً و400 ألف دولار، لكن على نفقته الخاصة، ليخلص إلى أن الانتقادات ضد أداء الجيش في المشاريع المدنية تستهدف «تدمير الدولة المصرية وإسقاطها».

فجأة، تذكّرت الدولة تحريك ملف «النهضة» لتوجيه الأنظار إليه


أيضاً، عبّر «الجنرال» عن خوفه من اندلاع ثورة جديدة ضده على غرار «25 يناير»، محذراً للمرة الأولى من التفكير في ثورة مماثلة، بعدما نسب أزمة سدّ النهضة إلى الثورة؛ إذ رأى أن إثيوبيا لم تكن تستطيع أن تبني السدّ على مجرى النيل ما لم تندلع «25 يناير». يدرك الرئيس أن صورته اهتزّت كثيراً أمام الرأي العام، وأن قاعدته الجماهيرية التي يستند إليها تتساءل عن أمور كثيرة، ما جعل التكليفات بالدفاع عنه تصل إلى دائرة أقرب المقربين منه على مواقع التواصل للمرة الأولى، وسط حملات إلكترونية لتجميل صورته، والقول إن معارضته وقت الحرب «خيانة للوطن»! مع ذلك، يحاول السيسي عبور الأزمة بمزيد من الردود الشخصية وليس التجاهل، على عكس ما نصحته به الأجهزة الأمنية المختلفة التي أكد أن مسؤوليها كادوا يقبّلون يده كي لا يتحدث في الأمر، لكنه لم يستجب «من أجل مصارحة الشعب».
يأتي كل ذلك في وقت بدأت فيه مصر تصعّد لهجتها تجاه أديس أبابا بعد أشهر من الخمول في ملف «النهضة»، إذ أكد وزير الخارجية، سامح شكري، أن القاهرة على استعداد دائماً للوصول إلى نقطة توافق بخصوص مفاوضات السد، مشدداً على ضرورة التوصل إلى اتفاق في أقرب فرصة، لأنه «لا مجال لمحاولة أي طرف فرض إرادته على الآخر بخلق واقع مادي». وجاءت تصريحات شكري بالتزامن مع بدء اجتماع وزراء الريّ في مصر والسودان وإثيوبيا أمس، بهدف استئناف المشاورات حول تنفيذ «اتفاق المبادئ» الذي تم التوقيع عليه في آذار/ مارس 2015، أي بعد انقطاع دام وقتاً أطول مما كان مقرراً، وهو ما ترك الأمور معلّقة لمدة طويلة. وقال شكري إنه إذا ما تجاوزَت الأضرار (القدر المعقول)، فسوف «يخرج الأمر تماماً عن قواعد القانون الدولي والعرف الذي يحكم العلاقة بين الأنهار العابرة للدول»، معرباً عن أمله في «وضع مسار تفاوضي وفقاً لجدول زمني محدّد، يفضي إلى وثيقة قانونية ملزمة تحدّد وتنظّم العلاقة بين الدول الثلاث».