الصندوق الأسود لم يعد مغلقاً، بل انفتح على مصراعيه، جالباً معه صداعاً كبيراً إلى رؤوس الجيش وقادته، فضلاً عن «المشير» عبد الفتاح السيسي. هذا الصداع يترافق مع نبش جهات كثيرة في ملفات الجيش الاقتصادية ومشاريعه الطويلة والعريضة في البلاد، خاصة أنه لم يترك «جحر ضبّ» إلا ودخله أو تدخّل فيه، في حين أن تنفيذ المشروعات يجري بناءً على «الثقة» لا الكفاءة، وبالأمر المباشر لا بالمناقصات. أما القنبلة التي فجّرها المقاول المتعاون سابقاً مع الجيش والهارب حالياً، محمد علي، فلم يعد ينفع معها الصمت. إذ قرر السيسي الخروج شخصياً اليوم، والردّ على ما يُحكى عن فساد الجيش وإهدار المليارات على مشروعات بلا جدوى. ردودٌ قد يحاول من خلالها استعادة هيبته التي افتقد منها الكثير خلال الأيام العشرة الأخيرة، في وقت تجد فيه القوات المسلحة نفسها أمام أصعب اتهام يفضح قصتها مع الاقتصاد والتجارة، وما وراء تحويل جيش حارب إسرائيل وانتصر عليها، إلى جيش يشتري ويبيع بكل العملات والأصناف.

قبل عام 2011، كانت مشاريع الجيش المصري وتدخّلاته في الحياة المدنية محدودة: تنفيذ طريق على استحياء، إنهاء مطار عسكري، التدخل لإنقاذ مشروع متعثر. إذ كان لا يتدخل إلا إذا كانت هناك حاجة إلى إنهاء مشروع ما في زمن قياسي، وهي مواقف لم تتكرر كثيراً، من بينها مثلاً التدخل لإنهاء «استاد برج العرب» في 2009 ليكون جاهزاً من أجل «كأس العالم للشباب»، حيث نفذ وزير الدفاع آنذاك، المشير محمد حسين طنطاوي، المشروع، مقرراً أن يكون «استاد الجيش»، لا «برج العرب» بعدما نفذته القوات المسلحة كاملاً وحضر افتتاحه الرئيس المخلوع، محمد حسني مبارك. في ذلك الوقت، لم يكن لوزير الدفاع أي ظهور يُذكر في افتتاح المشروعات، فيما انحصر هدف الجيش في تحقيق اكتفاء ذاتي يُمكّنه من تأمين إمدادات القوات. حتى المشاريع الخاصة بمساكن الضباط اقتصرت على وحدات سكينة محدودة، وعلى مدد متباعدة نسبياً، لتكون متاحة للعسكريين بأسعار أقلّ نسبياً من مثيلاتها. كذلك يكن الجيش يملك فندقاً واحداً أو حتى أراضي تستخدم في أغراض غير عسكرية، إلا باستثناءات محدودة.

تذهب التقديرات إلى أن حصّة الجيش في الاقتصاد تتجاوز 40%


ثم مع تكاثر الإضرابات بعد «ثورة 25 يناير»، تفاقمت تدخلات الجيش في الحياة المدنية، وأخذت مساراً مختلفاً ارتبط بالرغبة في توفير بدائل كي تضمن الدولة ألّا تتعرض لابتزاز رجال الأعمال، وفق ادعائها. تزايدت الاضطرابات في الأسعار، فيما توقف رجال الأعمال عن الاستثمار تخوفاً من الأوضاع، ومن هنا وجد الجيش بوّابته. أولاً تدخَل لمواجهة إضراب سائقي القطارات والحافلات، ولما توقفت المصانع نتيجة انقطاع الكهرباء، دخل الجيش بمصانعه وكهربائه. كل هذه التدخلات جعلت قطاعاته المختلفة تعمل وكأنها اقتصاد موازِ، بل بقرارات جريئة وراحة كبيرة بسبب غياب المحاسبة للمقصرين، إذ لم يُعلَن حتى الآن توقيف مسؤول عسكري واحد بتهمة الفساد أو بسبب أخطاء في مشروع ما.

إرخاء الزناد على «الأمر المباشر»
بينما كانت أيادي الوزراء والمسؤولين ترتعش في التوقيع على قرارات إسناد لتنفيذ مشروع ما بالأمر المباشر، بسبب سجن من سبقوهم للسبب نفسه، كانت قطاعات الجيش تتوسّع في عمليات الاستيراد، وتبرم اتفاقات داخلية وخارجية مع جهات كثيرة بالإسناد بالأمر المباشر، الذي تحوّل من جريمة يُحاسَب عليها بالسجن بحق من يوافق عليها من دون ضرورة قصوى، إلى أمر اعتيادي، خاصة لدى الجيش وجهازَي المخابرات. وخلال سنوات قليلة، حصل الجيش على الأراضي، ونال الضباط امتيازات كثيرة مع زيادات استثنائية في الرواتب والمكافآت. هكذا، خرج العساكر من الثكنات ليحصلوا على أراضٍ مميزة في أكثر من مدينة لبناء فنادق، ما بين المطلّة على البحر وما بين الأماكن غير المستغلة في المحافظات، ولتتكون سلسلة من الفنادق المختلفة باسم «تيوليب»، بعدما كانت فنادق الجيش تقتصر على دور الضيافة، إلى جانب فندق وحيد أنشأته المخابرات قبل رحيل مبارك بمدة قصيرة.
يوماً بعد يوم، صار لا يمكن أحداً أن يجادل الجيش والمخابرات حتى لو كانت أسعار مشروعاتهما أغلى من مثيلاتها، على الرغم من توافر المواد الخام والخدمات للقوات المسلحة بأسعار أقلّ مما هي عليه في القطاع الخاص، فضلاً عن تأكيد الجيش أنه جهة لا تهدف إلى الربح على عكس المستثمرين، لكن الواقع كان يقول عكس ذلك تماماً. فالجيش، الذي يوفر عمالة برواتب هزيلة من المجندين مِمَّن ازداد قبولهم بنسبة قد تصل أربعة أضعاف ما كانت عليه قبل 2011، هو نفسه الذي يُدخِل منتجات التصنيع من دون جمارك أو ضرائب، ويحصل على الأراضي بقرارات تخصيص من رئيس الجمهورية من دون أن يسدّد ثمنها بسعر السوق، فيما يتوغّل في مشروعات كثيرة ويزيد أرباحه منها. وبينما تذهب التقديرات إلى أن مساهمة الجيش باتت تتجاوز 40% من الاقتصاد حالياً، كان الرئيس عبد الفتاح السيسي يؤكد أن هذه المساهمة هي بين 1.5% و2.5% فقط، مع أنه رقم أقلّ بكثير من عدد اللافتات التي يمكن أيّ شخص أن يراها في المشروعات المُنفّذة.

«الهيئة الهندسية» كأنها حكومة
قد تكون هذه الأرقام مرتبطة بما يساهم فيه الجيش بمفرده، لكن جميع المشروعات تقريباً التي تُنفّذ في «المحروسة» حالياً تخضع لإشراف «الهيئة الهندسية للقوات المسلحة»، وهي تتنوع بين الطرق والصرف الصحي والمستشفيات والإسكان وغيرها، إلى حدّ تحولت فيه هذه الهيئة في سنوات السيسي الخمس الماضية إلى ما يشبه رئاسة للحكومة بسبب آلاف المشروعات التي تنفذها، علماً أن اختصاص الهيئة الأساسي تنفيذ المشروعات التي يحتاجها الجيش والتخطيط لها، لكنها الآن صارت مسؤولة عن تنفيذ جميع المشاريع في البلاد، ما جعل منها الاسم الأبرز والحاضر الدائم في ما يفتتحه الرئيس دورياً. كذلك فإنها صارت الجهة الشريكة والمسؤولة عن إبرام التعاقدات، إذ تختار الشركات المنفذة وتسند إليها المشاريع، وبموافقتها تُفتح الاعتمادات المالية من البنوك. حتى في الشراكات مع القطاع الخاص أو الحكومة، تكون ذات النصيب الأكبر، وهو ما حدث في تنفيذ العاصمة الإدارية على أطراف القاهرة، فقد تأسست شركة هدفها الربح بالشراكة بين الجيش بنسبة 51%، ووزارة الإسكان بنسبة 49%.

فجّر محمد علي ملفاً واحداً من أصل ملفات كثيرة غير مفتوحة بعد


مع ذلك، لا تعمل الهيئة وفق قوانين مدنية. حتى بعد تقنين أوضاع الإسناد بالأمر المباشر، ظلّ للهيئة رجالها الذين تتعاون معهم. وعلى رغم تكرار الإسناد إلى شركات تعثرت وتأخرت في مشاريع سابقة، إلا أنه لا يوجد حتى الآن دليل واضح على شبهات الفساد التي تحيط بعمليات إسناد المشاريع، لكن ما يكاد يكون مؤكداً، وجود رشى للحصول على المناقصات بالأمر المباشر، مع الوعد بسرعة التسليم وتقصير الوقت. لذلك، أنشأ الجيش في السنوات الخمس الماضية شركات صارت تنافس القطاع الخاص في الاستيراد والتصدير، ومصانع للحديد والصلب وأخرى للإسمنت، وكلّها أضرّت بالصناعة القائمة بسبب كثرة الإنتاج ووفرة الفائض، ما دفع المصانع الخاصة إلى تقليص العمالة لمواجهة تراجع المبيعات. أما الفنادق الضخمة التي جرى التوسع في إنشائها، فباتت غالبيتها خالية من الزوار، جراء بنائها من دون دراسة جدوى كافية لحجم الاحتياج الفعلي من الغرف الفندقية في المناطق.

إضرار بالقطاع الخاص
ثمة مشروعات كثيرة دخلها الجيش انعكست آثارها سلباً على الداخل. فما بين مشاريع الإسمنت التي تضرّرت منها الشركات الحكومية والخاصة نتيجة الفائض الذي شبّع السوق، مروراً بمشروعات الإسكان التي نُفِّذَت على نحو أوجد أزمة عكسية في العقارات، وصولاً إلى الطرق التي تُنفّذ في زمن قياسي، لكن بجودة أقل (بعضها يحتاج التطوير بعد أشهر قليلة من افتتاحه)، كل هذه الأمور جعلت الجيش منافساً قوياً للقطاع الخاص الذي يعاني تراجعاً كبيراً. ومن بين كل ذلك مشروع واحد فقط ألغي على استحياء لعدم جداوه، هو نفق القطار في السكة الحديدية من أسفل قناة السويس، جراء تكلفته الباهظة التي تفوق كلفة إنشاء الأنفاق الثلاثة الجديدة.
أيضاً، أجبر الجيش شركات مقاولات على تنفيذ المشروعات المتفق عليها بعقود وُقّعت قبل تعويم العملة، ما أدى إلى خسائر جسيمة لها نتيجة تغير الأسعار بنسبة تقترب من 100%، ليكون التنفيذ بأسعار قديمة، قبل أن تُصرف تعويضات محدودة لتغطية التكلفة فحسب. وهناك مشروعات أخرى لم تُسدَّد مستحقات أصحابها، على رغم افتتاحها، بل والاحتفاء بها، مثل أكبر جامع وأكبر كنيسة في أفريقيا، اللذين افتتحهما السيسي بداية العام الجاري متفاخراً ببنائهما، فيما لم تحصل الشركات المنفذة على الأموال كلها حتى الآن، ومن بينها «المقاولون العرب» التي تنفذ مشروعات أخرى مع الحكومة، وهي القضية التي فجّرها أخيراً المقاول الهارب محمد علي.
عمليات البناء الكثيرة التي نفذها الجيش جعلته يتجرأ على تنفيذ مدن كاملة، مثل هضبة الجلالة التي يجري بناؤها لتخترق جبال البحر الأحمر الشاهقة، في وقت يرى فيه خبراء الإسكان أن اختيار موقع المدينة لم يكن موفقاً بسبب ضخامة العمليات الإنشائية في حفر الجبل، من دون وجود عائد يناسب ضخامة المشروع ويغطي كلفته في زمن أقل، فضلاً عن توافر مواقع أخرى يمكن البناء فيها، بل قريبة من الموقع الذي اختاره السيسي شخصياً. كذلك، فُرضت رسوم بالمئات لمصلحة الجيش، من بينها رسوم على المصاريف الجامعية والمخالفات المرورية تُخصّص لـ«صندوق رعاية أسر المصابين والشهداء»، ورسوم على الطرق السريعة تُحوّل غالبيتها من وزارة النقل إلى القوات المسلحة، وليس أخيراً مبالغ مضافة على الطرق الداخلية التي جرى تقسيم كلّ منها ليكون متعدد الرسوم، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الأموال لا تدخل الخزانة العامة للدولة، بل بعضها لا يُعرف حصاده كاملاً من الأساس.