القاهرة | تواصل «المبادرة المصرية - الدنماركية للحوار» إعداد أنشطة الدورة الثانية من فاعليات «منتدى إعلام مصر»، المقرّر إقامته في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، في القاهرة. المنتدى الذي يكتسب أهميته من الإنفاق ببذخ على فاعلياته وسقف الحرية في مناقشاته، لم يخرج في دورته الأولى سوى بتوصيات لم ينفذ أي منها على أرض الواقع.

لم يضف المنتدى فعلياً إلى ما يحدث في المشهد الإعلامي شيئاً جديداً سوى البذخ في التنظيم واستضافة قناة «دويتشه فيله» الألمانية، الممنوعة من العمل في مصر، وكذلك تقديم ورش عمل لمناقشة أوضاع الحريات الصحافية، في وقت لا يسمح فيه عادة بتنظيم مثل هذه المؤتمرات في مصر منذ عدة سنوات. لكن يبقى المنتدى الجديد هو الأكثر حصولاً على موافقة الجهات السيادية التي تعترض على تنظيم مثل هذه المؤتمرات والمنتديات.
على استحياء، تنظم فاعليات مشابهة بين القاهرة والإسكندرية مرة كل عام، لكن مضمونها تدريبي أكثر منه حوارياً، وبميزانيات متواضعة، بينما يمزج «منتدى إعلام مصر» بين الورش التدريبية والجلسات الحوارية التي لا يسمح بنشر أكثر ما دار فيها لأسباب رقابية عديدة، بالرغم من أن ممثلي الدولة يكونون حاضرين في الجلسات المختلفة.

لم يضف المنتدى إلى المشهد الإعلامي جديداً سوى البذخ في التنظيم


لا تسمح الحكومة المصرية بتنظيم مؤتمرات للإعلام إلا في أضيق الحدود. المؤتمرات التي يمكن أن تنطوي على شبهة انتقاد للدولة لا تحصل على موافقات أمنية، ويكون لدى إدارات الفنادق تعليمات بإلغاء الحجوزات التي أجريت بالفعل، وهو ما تكرر مع كثيرين. لكن مع «منتدى إعلام مصر» يصبح الوضع مختلفاً، فمسؤولة تنظيم المؤتمر المموّل من الدنمارك هي نفسها المنخرطة في العمل مع الأجهزة، وهو ما يعني أن جميع ما سيحدث في المنتدى سيكون «تحت السيطرة».
المسؤولة الأولى عن المبادرة والمنتدى هي الإعلامية نهى النحاس، المقرّبة من النظام، والتي تعمل مستشارة إعلامية لـ«منتدى شباب العالم» الذي يقام سنوياً في شرم الشيخ، بإشراف المخابرات. فهي نفسها التي تدافع عن حرية الإعلام وتتعاون مع شبكة «دويتشه فيله» الألمانية بأنشطتها في الوطن العربي، لكن المفارقة أن المؤتمر يخطط لمنح جوائز لأكثر الموضوعات الإعلامية تميزاً في ظل إدراك القائمين عليه صعوبة العمل الإعلامي ومعوقات حظر النشر. بل إن إدارته، بالنسخة الجديدة، قرّرت استحداث جائزة باسم الكاتب الراحل حمدي قنديل، الذي عرف بمعارضته لنظام الرئيس عبد الفتاح السيسي ووصف الجنرال المصري بـ«الثعلب».
أنشطة «المبادرة الدنماركية للحوار» هي الجهة الوحيدة المسموح لها بالعمل في الإعلام بتمويل خارجي وبشكل معلن وبميزانية كبيرة. فالمبادرة خرجت من «المعهد الدنماركي للحوار»، المؤسّس بموجب اتفاقية بين حكومتي القاهرة وكوبنهاغن، والذي نفّذ بالفعل عدة مشاريع لتدريب الإعلاميين خلال السنوات الماضية، رغم المضايقات على مشاريع أخرى مماثلة مموّلة من جهات أخرى.
يبدو الوضع مفسراً بشكل أوضح مع اشتراك النحاس في العمل بالمبادرة ومع الأجهزة السيادية. فالدولة تستخدم المنتدى، الذي تنفق عليه الدنمارك ببذخ ويقام في فندق حكومي، من أجل تحسين صورتها في ما يتعلّق بالحرّيات الإعلامية. فمن هم ممنوعون من التسجيل في مصر مثل «دويتشه فيله»، التي اتهمتها صحيفة «الدستور» المصرية بالعمل لصالح المخابرات الألمانية الاسبوع الماضي، مرحّب بوجودهم فقط في المؤتمر للنقاش حول الحرّيات الاعلامية، بل والحضور كرعاة والتعريف بأنشطتهم لإعلاميين شباب!