إسطنبول | دفعت وفاة الرئيس المصري الأسبق، محمد مرسي، أثناء جلسة محاكمته في ما يعرف بقضية «التخابر مع قطر وحركة حماس»، «المكتب العام لجماعة الإخوان المسلمين» إلى إصدار بيان يعلن فيه انسحاب الجماعة «من المنافسة الحزبية الضيقة»، ودعوة أعضائها إلى «الانخراط في الأحزاب والتيارات السياسية التي تتوافق» والمشروع السياسي لـ«الإخوان». البيان الصادر عمّا يسمى «مكتب الأزمة»، سرعان ما بادر التيار القديم، الذي يقوده الأمين العام محمود حسين، ونائب المرشد العام إبراهيم منير، إلى التبرّؤ منه، وفي الوقت نفسه إلى إخلاء نفسه من المسؤولية عن أي بيانات لا تصدر عنه. وقال المتحدث الإعلامي للجماعة، طلعت فهمي، إنهم مسؤولون فقط عن «المواقف الرسمية من خلال المتحدثين الرسميين والمعروفين والمعلنين»، مجدداً الدعوة إلى التحالف مع الرموز السياسية من أجل «السعي لإسقاط الانقلاب العسكري».

و«مكتب الأزمة» برز إلى العلن بعد مقتل عضو «الإرشاد»، محمد كمال، الذي اتهمته السلطات بالمسؤولية عن رعاية جماعات محلية مسلحة تستهدف الجيش والشرطة. ومذّاك، يتبادل «الأزمة» والتيار القديم الاتهامات حول شرعية كل منهما لقيادة الجماعة. لكن ما يجذب الانتباه إلى البيان الذي صدر في الـ29 من الشهر الماضي، إعلان المسؤولين عنه المضي قدماً في مناهضة السلطات باستخدام «الخيار الثوري الشامل (حتى) التغيير الكلي لمنظومة الحكم في مصر، ومواجهة آلتها العسكرية بالمنهجية الثورية التي شهدها العالم، بامتلاك أدوات المقاومة المدنية المشروعة للشعوب للخلاص من النظم الديكتاتورية العسكرية»، من دون توضيح آليات العمل الثورية التي ينوي استخدامها. على أي حال، يفتح هذا الكلام الباب أمام تأويلات كثيرة، خصوصاً في ظلّ مخاوف من العودة إلى العنف في مواجهة الدولة.

تتضمن المطالبات «الإخوانية» الإفراج عن المعتقلين الذين لا يمثّلون إزعاجاً للدولة


في مراجعة لقوة «مكتب الأزمة»، بدءاً من ظهوره داخل مصر وخارجها، نجد أنه كان يمتلك على الأرض 5 مكاتب للجماعة في 5 محافظات (بني سويف والفيوم والمنيا والإسكندرية وكفر الشيخ)، مقابل باقي المحافظات التي تدين بالولاء للتيار التقليدي والتاريخي. ومع إعلانه مراجعاته منذ إطاحة مرسي في 2013 إلى الآن، وجدت قواعد «الإخوان» أن المكتب لم يستطع أن يقدم أي جديد لعلاج أزمات التنظيم المتفاقمة، بالإضافة إلى انشغاله الدائم بالاشتباك إعلامياً وسياسياً مع المكتب القديم، وهو ما أفقده الكثير من الدعم الداخلي. ولا تُنسى، هنا، خطوة «القديم» في إجراء الانتخابات الداخلية في كل القطاعات والمحافظات لسدّ الطريق على «الأزمة»، الذي سبق أن أعلن نيته إجراء انتخابات لاختيار مكتب إرشاد جديد، متذرعاً بانقضاء وقت حكم «الإرشاد» الحالي في 2014، إذ لا يجوز لـ«الإرشاد» العمل أكثر من 6 سنوات متتالية.
هكذا، وخلال شهرين في 2016، جرت الانتخابات الداخلية في كل المحافظات وخارج مصر، وبقي حسين أميناً عاماً، ومنير نائباً للمرشد، ما أغلق الباب على انشقاق كبير، ثم استطاع التيار التاريخي استيعاب انتقادات مكاتب الفيوم وبني سويف والفيوم وكفر الشيخ، وضمّها مرة أخرى إلى التنظيم الأم. لكن هذا لا يعني أن قواعد التنظيم باركت استمرار حسين ومنير في موقعيهما، خاصة مع إخفاقاتهما الكثيرة في ملفات التنظيم كافة، بل استسلمت القواعد للأمر الواقع دفعاً للتشتت والانشقاقات، كما يقول لـ«الأخبار» قيادي في الجماعة مقيم في الدوحة. ويضيف أن وفاة مرسي «فجرت من جديد النقاش حول دور محمود حسين، وكشفت أن قواعد التنظيم تريد إعادة هيكلة كبيرة وشاملة وفق طلب قُدِّم إليه».
وكما يكشف هذا القيادي، استقبل «مكتب الإرشاد المصغر» مطالب الهيكلة بـ«ترحيب شديد»، مضيفاً: «نسير في اتجاه استبدال حسين من أجل ضخ دماء جديدة». أما عن التفاوض مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، وإمكانية الإقرار بالنظام الحالي، فقال: «هناك أطراف دولية جديدة، من أوروبا وبعض دول الخليج، بدأت جولة جديدة من المفاوضات على أرضية جديدة من المطالب الإخوانية، خاصة مع انتهاء الشرعية التي كان يتمسك بها الإخوان بوجود مرسي بصفته الرئيس الشرعي للبلاد». وهذه المطالب تتمثل بالإفراج عن معظم المعتقلين من الجماعة، إضافة إلى قيادات يرى النظام أنها لا تمثل خطورة عليه، على أن يستمر المفرج عنهم في عملهم الحكومي، «وتركهم يعيشون في حال سبيلهم». لكن هل ستقبل القواعد المؤيدة هذه المطالب؟ يقول القيادي نفسه إنهم «أُنهكوا في صراع الجماعة والدولة، وباتوا يعانون شظف العيش وغير قادرين على الاستمرار سنوات أخرى مع هذه الحالة من المطاردات، بل هم من طالبوا بإنهاء الصراع المدمر مع الدولة».
وعلى رغم محدودية المطالب المذكورة بالنسبة إلى ما يطمح إليه التنظيم، وضبابية موقف الدولة حتى من هذا الحدّ الأدنى، خاصة أن النظام يتبنى سياسة «تدمير التنظيم» بالكامل، فإن ما لا ينكر أن استمرار حالة الصراع يسبب إضعاف ترابط التنظيم داخل البلاد، خاصة مع تثبيت النظام أركانه واعتراف دول العالم به وبالسيسي رئيساً. وعن مدى قبول قيادات مثل خيرت الشاطر ومحمد البلتاجي بمثل هذه المفاوضات وما تتضمنه من بنود، قال القيادي نفسه: «حتى لو قبلت السلطات التفاوض على هذه الأرضية، فإن النظام لن يقبل التفريط بالشاطر والبلتاجي وبعض القيادات الأخرى، بل سيبقون تحت يديه في السجن ضماناً لاستمرار الجماعة في نهجها الجديد».