القاهرة | «30 يونيو» التي أطلق عليها الجيش والشرطة وجزء من القوى المدنية «ثورة تصحيح لـ25 يناير»، لم تكن أكثر من رِدّة لم تُعِد نظام حسني مبارك المخلوع، مع اختلاف الشخصيات وتبادل الأدوار، فحسب، بل عادت بالبلاد سنوات إلى الخلف، ربما إلى ما قبل عام 2000 الذي شهد بداية انفتاح نسبي في المجال السياسي. في مشهد عزل أول رئيس مدني منتخب ــــ راحلٍ الآن، يوم 3 تموز/ يوليو، وقف وزير دفاع صار رئيساً، ومعارضون أصبحوا هاربين أو في السجون أو معزولين، يعلنون بداية مرحلة جديدة. مرحلةٌ لم يعد فيها مكان الآن سوى للمؤيدين فقط، بل مع حذر شديد منهم، واتهامات جاهزة بالتخوين والعمالة والإرهاب للمعارضين. المضحك المبكي أن هذه المنظومة باتت تستمدّ شرعيتها من ضعف الأنظمة المحيطة بها، بل تقدّم نفسها إلى العالم بوصفها «حامية أوروبا من ظلام الإرهاب».

بين 30 حزيران/ يونيو 2012، و30 حزيران/ يونيو 2013، فارق زمني يعبّر عن عمر تجربة الديموقراطية في حكم مصر. ديموقراطية لم تَدُم أكثر من عام، أسقطها الجيش والشرطة والإعلام. ديموقراطية لم يتمكن الفائزون فيها من إدارة الحكم أو على الأقلّ البقاء فيه حتى موعد أول استحقاق انتخابي لاحق. جاءت تحركات جماهيرية في الشارع، تتصدرّها مركبات الشرطة والجيش، لتنهي التجربة الوليدة، وتعيد البلاد إلى أسوأ مما كانت عليه.
في التاريخ الأول، 2012، تسلّم الراحل محمد مرسي منصب رئيس الجمهورية كأول رئيس مدني منتخب يتولى حكم البلاد منذ «ثورة يوليو» 1952. في يوم تسليم السلطة له، كان عضو في المجلس العسكري يقول للإعلاميين الحاضرين مراسم تسليم السلطة: «بكرة تيجوا تترجوا فينا علشان نرجع نحكمكم تاني». تصريح، وإن قوبل باستخفاف وسخرية من الحضور، إلا أنه حدث بالفعل. فقبل 30 حزيران/ يونيو 2013 بأسبوع كامل، نشرت صحيفة «الشروق» المصرية عنواناً يقول: «الجيش استعدّ لمرحلة ما بعد مرسي». تحدثت الصحيفة آنذاك عن استعداد الجيش لعزل مرسي، والتصورات المقترحة في حال نجاح الجماهير في النزول إلى الشارع. تخطيط لم يستوعبه القائمون على السلطة آنذاك، بل كان مرسي يصف الجيش بأعذب الجمل، غير مدرك أن من يبتسمون في وجهه اليوم هم أنفسهم من سينقلبون عليه ويتهمونه بالخيانة.
في «سنة الديموقراطية»، عاشت البلد اضطرابات داخلية مرتبطة بالصراع بين جماعة «الإخوان المسلمون» والمعارضة (الأولى محظورة كلياً والثانية غالبيتها). شهدت تلك السنة مصادمات عنيفة، من بينها ما وقع أمام قصر الاتحادية، وأخرى أمام مكتب الإرشاد التابع للجماعة في المقطم، نتيجة التحريض السياسي والإعلامي. لكن هذه المواجهات، التي كانت تقع بعد التظاهرات عادة، لم تعد موجودة، ليس لتبدل في السلوك السياسي والجماهيري، بل لأن التظاهر أصلاً صار مُجرَّماً بحكم القانون؛ إذ لم تمنح وزارة الداخلية، منذ إقرار «قانون منع التظاهر»، تصريحاً واحداً بإقامة تظاهرة ما لم تكن مؤيّدة للدولة، والتعليل دوماً «دواعٍ أمنية».

لم تعطِ «الداخلية» تصريحاً لتظاهرة واحدة للمعارضة منذ إقرار «قانون منع التظاهر»


ربما كانت اللحظة الفاصلة في سنة مرسي هي وضعه إعلاناً دستورياً في كانون الأول/ ديسمبر 2012، يمنحه حق عزل النائب العام، ويضع في يده سلطات عدة. اعترض القضاة، وخرج المعارضون يؤكدون أنه يسعى إلى «أخونة الدولة». من يتذكر ذلك الآن، ويقارنه بما فعله عبد الفتاح السيسي في سنوات رئاسته الخمس حتى الآن، يجد العجب! صارت للسيسي القدرة على إقالة رؤساء الأجهزة الرقابية، واختيار النائب العام، وتعيين رؤساء الهيئات القضائية بالكامل، واستبعاد المعارضين من المناصب القيادية... لينتزع بذلك وزير الدفاع السابق الذي اختاره مرسي صلاحيات كانت موجودة قبل «25 يناير»، بل ويحصر في يده تعيين أكبر عدد من ذوي المناصب، ليزداد بذلك المتنافسون على إعلان الولاء له داخل الأجهزة المختلفة.
مثال آخر: مرسي حرّك الأسعار بصورة طفيفة في الشهر نفسه، وزاد تحديداً أسعار السجائر وغيرها من منتجات التبغ، فخرجت التظاهرات ضده واتهمته بالفشل، خاصة مع انخفاض الجنيه بأكثر من 20% أمام الدولار الأميركي. في المقابل، خفّض السيسي العملة بنسبة 100%، وزاد الضرائب أكثر من ثماني مرات لتصل إلى أضعاف ما كانت عليه. والمبرر أن الوضع الحالي يتطلب المزيد من الضرائب، وأن «تحرير» سعر صرف العملات «ضروري لجذب المستثمرين»، ولم يستطع أن ينطق أحد. أيضاً وأيضاً، على مدار أكثر من عام، تفاوض «الإخوان» على قرض قيمته ما بين أربعة وستة مليارات دولار من «صندوق النقد الدولي». رفض القرض بشدة المشير محمد حسين طنطاوي (الحاكم خلال المرحلة الانتقالية الأولى)، ثم تعثر خلال حكم مرسي بسبب الاضطرابات ورفض «الإخوان» تنفيذ شروط الصندوق في ما يتعلق برفع الأسعار. لكن السيسي فعل ذلك بعد وصوله إلى الحكم بأقلّ من عامين. حصل على قرض بـ12 مليار دولار، ونفذ شروطاً إضافية لم يفرضها الصندوق!
قد لا تنتهي المقارنات بين «سنة مرسي» و«أعوام السيسي العجاف». ليس ذلك حباً في الرئيس الراحل، بل تأكيد أن الإشكالية (داخلياً على الأقل) لم تكن في أساسها في مرسي وجماعته، الذين لا ينكر أحد أنهم حاولوا تثبيت أنفسهم على حساب الآخرين، ما سهّل إثارة الرأي العام ضدهم، وفَتَح المنابر الإعلامية لتهاجم قرارات الرئيس الإسلامي كلها. واليوم، المنابر نفسها تساند السيسي وتدعم قراراته كلها، أياً يكن مسارها ونتائجها. يجد المصريون أنفسهم اليوم وقد لاقوا في عهد «الجنرال» أضعاف ما رفضوه في أيام مرسي. والخسارة الأهم خسران هامش الحرية الذي أتيح، وحق التداول السلمي للسلطة. وينظرون إلى المستقبل وفوقهم رئيس عمد إلى إقصاء جميع معارضيه للانفراد بالسلطة، بل عدّل الدستور لتمديد ولايته الثانية عامين، وزاد عليهما بنداً استثنائياً من أجله فقط، لكي يترشح مجدداً. هذه قصة الرجل الذي أكد أنه غير طامع في السلطة: دخل قصر الرئاسة ولا يريد أن يخرج منه إلا مع النَّفَس الأخير من حياته.
قبل أيام، اعتُقلت مجموعة من الشبان الناصريين والليبراليين واليساريين. ولتزيد السلطة نكاية بهم حبستهم بـ«تهمة الإخوان». السبب كان منعهم من تشكيل جبهة صغيرة تخوض الانتخابات البرلمانية المقبلة. يتذكر هؤلاء الآن وغيرهم بحزن «سنة الديموقراطية» التي كان فيها العمل السياسي مفتوحاً، وأحزاب تُؤسّس وأخرى تندمج. اليوم يغلق «ابن العسكرية» أبواب الأحزاب تباعاً، ويسجن قادتها بتهمة مناهضة الدولة التي صارت موكلة وحدها إعدادَ قوائم المرشحين، بل الفائزين في أي انتخابات.