لا تبدو السلطة الحاكمة في مصر مكترثة لتداعيات أفعالها. شواهد كثيرة تدل على ذلك:

ـــ اغتيال بطيء لرئيس سابق ولعدد من رفاقه، وهم بين قادة أكبر تيار سياسي جماهيري في البلاد، في العصر الحديث،
ـــ تهم ملفقة بحقهم لا تستحق سوى السخرية، كالتخابر مع «حماس» مثلاً،
ـــ اعتقال عشرات الآلاف من أنصار «الإخوان المسلمون» وغيرهم من المعارضين من شتّى الخلفيات الفكرية والسياسية، ويتعرض بعضهم لصنوف من التعذيب الوحشي والتنكيل.
اعتماد سياسة كهذه من السلطة المصرية يستند إلى قناعتها بأنها تمتلك ما يكفي من القوة والمشروعية في الداخل، ومن الدعم الإقليمي (السعودي ــــ الإماراتي أساساً) والدولي. هي تعتقد أنها نجحت في تقديم نفسها أنها الجهة الوحيدة القادرة على الحفاظ على «الاستقرار» ومواجهة أي «تهديد» له، وهي وظيفة مطلوبة من جميع الأطراف الدولية الوازنة، غربية كانت أو غير غربية، وعدد من الأنظمة السلالية في الخليج. لقد هال جميع هذه الأطراف مشهد الجموع الثائرة التي اجتاحت الساحات والشوارع في عدد كبير من العواصم العربية عام 2011، لأن أكثر ما تخشاه عودة الشعوب إلى حلبة السياسة وتدخلها في ما سيحدد حاضرها ومستقبلها.
إقصاء الشعوب عن السياسة، وحصرها بيد النخب السياسية والعسكرية، الشريك المعروف والمجرب الذي يحكم المنطقة منذ عقود مع النتائج «الباهرة» التي نعرفها، هو ضمانة «الاستقرار» في عرف هذه الأطراف. وما أخاف الأطراف الدولية ذعر الأنظمة السلالية في الخليج، ما يفسّر دورها المركزي في دعم انقلاب 2013 في مصر مادياً وسياسياً وإعلامياً. حسني مبارك وزين العابدين بن علي كانا أيضاً «حاجة» دولية وإقليمية، وظنّا لعقود أن رضى الخارج سيضمن لهما البقاء في موقعيهما وتوريثهما لأبنائهما، لكن تفاقم المظالم أشعل حريقاً لم يستطيعا إطفاءه. على حكام المنطقة، وفي طليعتهم من يحكم مصر، أن يتأملوا هذا الدرس جيداً. الغلبة ستكون دائماً للشعوب، مهما طال الزمن وعظمت الصعاب.

إذا حققت هذه السلطة مبتغاها، فستدخل مصر في نفق مظلم


تقييم الأداء السياسي لـ«الإخوان» في مصر وتجربتهم في الحكم ليسا موضوعنا. لقد ارتكبوا دون أدنى شك أخطاءً كبرى، وبعضها كارثي. أول هذه الأخطاء تبديتهم مصالح الجماعة السياسية الضيقة وتعطشها للوصول إلى السلطة، بعد عقود طويلة في المعارضة وفي السجون، على ضرورة بناء جبهة وطنية عريضة للتصدي للتحديات الكبرى التي تواجه مصر. فالمطروح في مصر، كما في غيرها من البلدان العربية، هو عملياً إعادة بناء الدولة الوطنية عبر إصلاح مؤسساتها وتوسيع قاعدتها الاجتماعية وتحرير إرادتها السياسية واقتصادها من التبعية للغرب. مهمات شائكة كهذه لا تقع على عاتق تيار فكري ـــ سياسي بعينه، مهما بلغت قوته وتمثيله قطاعات شعبية واسعة، بل على عاتق جميع القوى الوطنية صاحبة المصلحة باستكمال مهمات التحرر الوطني. غير أن «الإخوان» فضلوا السعي للتحالف مع المؤسسة العسكرية بعد الثورة، واعتقدوا أنهم نجحوا في استمالة بعض رموزها الوازنين، وفي مقدمتهم عبد الفتاح السيسي، على حساب التحالف مع القوى الوطنية الأخرى.
لا يعني هذا الكلام أن بناء مثل هذا التحالف كان سهلاً، أو أن القوى المذكورة تعاملت جميعها معهم انطلاقاً مما تتطلبه الأولويات الوطنية، لكن مستقبل مصر كان رهناً بالنجاح في بناء جبهة وطنية، وهو أمر لم يحدث. بقية القصة معروفة. لم يحكم «الإخوان» مصر بالمعنى الحقيقي للكلمة. فازوا بالانتخابات ووصل مرشحهم إلى الرئاسة في دولة تناصبهم أبرز مؤسساتها العداء. فالجيش والأجهزة الأمنية والقسم الأعظم من الكادر السياسي والإداري للدولة وجهاز القضاء وغالبية وسائل الإعلام والقطاع الأكبر من رجال الأعمال... كانوا ضد «الإخوان»، وعملوا بإشراف الجيش على إفشالهم. قد يقال الكثير عن انعدام الخبرة والكفاءة لدى الجماعة التي لم يسبق لها أن وصلت إلى السلطة وأدارت مؤسسات دولة. لكن الجهات التي أطاحتهم لم تفعل ذلك لقلة كفاءتهم، بل لأنها أرادت احتكار السلطة وإزاحتهم باعتبارهم المنافس الأبرز لها. لن نعيد التذكير بما قيل يومذاك عن الفريق الذي تسلّم الحكم والمقارنات مع الرئيس جمال عبد الناصر و«ثورة يوليو».
على رغم كل النقد الذي من الممكن أن يوجه إلى الجماعة، وبينه ما يخصّ عدم مباشرتها في إلغاء اتفاقية كامب ديفيد، ومحاولتها تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة وموقفها من الأزمة السورية ومن إيران، أول ما يحسب لها هو عدم جنوح الكتلة الأعرض من أنصارها إلى العنف. القمع العنيف الذي تعرضت له، و«مذبحة رابعة» إحدى محطاته الأكثر دموية، واعتقال الآلاف، لم تدفع التيار الرئيسي في قيادة الجماعة إلى الدعوة لاستخدام العنف المضاد. مجموعات منها لجأت إلى العنف وتماهت مع الجماعات الجهادية، لكن الوضع كان سيختلف نوعياً لو اتخذت قيادة «الإخوان» قرار المواجهة المسلحة. للجماعة عشرات آلاف الأعضاء والأنصار، وحاضنة اجتماعية واسعة، ما زالوا خارج دوامة العنف. السياسة المتبعة من السلطة المصرية حيال الجماعة تدفع إلى التساؤل: هل ما تبغيه هو دفعها إلى العنف، ما يبرر المزيد من القمع ومن السطوة الأمنية والعسكرية على البلاد بذريعة مكافحة الإرهاب.
إذا حققت هذه السلطة مبتغاها، فستدخل مصر في نفق مظلم لا تعرف نهايته. لقد مضى محمد مرسي صابراً ومظلوماً حاله حال أغلب المعتقلين السياسيين في أم الدنيا، وعلى العقلاء فيها والعالم العربي الضغط لرفع هذه المظلومية قبل فوات الأوان.