منذ أعوام قليلة، تسعى القاهرة للعودة إلى منطقة القرن الأفريقي. في مسعاها، تواجه خصوماً تقليديين مثل إثيوبيا التي تنازعها على حصتها من مياه النيل إثر ذهاب أديس أبابا بعيداً في مشروع «سدّ النهضة»، كذلك فإنّها تواجه خصوماً جدداً نسبياً، يتمثلون بالقوى العربية الخليجية النافذة في هذه المنطقة، وهي قطر والسعودية والإمارات.

اللافت أنّه منذ تسلّم أبي أحمد رئاسة وزراء إثيوبيا في بداية العام الجاري، انقلب المشهد في القرن الأفريقي من منظور القاهرة، وباتت التطورات تصبّ في مصلحتها. في السياق، زار مثلاً أبي أحمد العاصمة المصرية قبل أسابيع قليلة حيث التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وتباحثا بشأن مفاوضات «سدّ النهضة»، في زيارة كانت سريعة ولكنّها «إيجابية»، كما تكرر الدبلوماسية المصرية.
في خلفية هذه التطورات، كان التنافس بين أطراف الأزمة الخليجية النافذة في القرن الأفريقي، ينعكس تدريجاً على توازنات هذا الإقليم، إلى أن استقر المشهد على تقدّم إماراتي نسبي، كرّسته في نهاية الشهر الماضي زيارة ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد لأديس أبابا، وقد هدف من خلالها إلى إظهار احتضانه لرئيس الوزراء الجديد أبي أحمد، خاصة إثر التوقيع على اتفاقات ثنائية تناهز قيمتها ثلاثة مليارات دولار.

يرافق السيسي مدير المخابرات العامة عباس كامل، وعدد من الوزراء


قد يكون من نافلة القول التذكير بمدى التقاطعات المصرية ـــ الإماراتية في مجمل الملفات الإقليمية. لكنّ الاندفاعة الإماراتية في القرن الأفريقي، واكبتها شمالاً انعطافة مصرية تجاه السودان ورغبة من الأخيرة، لأسباب عدة، في إعادة الحياة إلى العلاقات الدبلوماسية المقطوعة مع الجارة الشمالية. وقبل نحو شهرين، خلُص المشهد بين العاصمتين إلى إعادة السفيرين إلى عملهما وإلى تبادل زيارات على مستوى رفيع، تقدمتها زيارات وزيري الخارجية ومسؤولي المخابرات في البلدين.
برغم كل ذلك، بقي التنسيق بين القاهرة والخرطوم في ما يخصّ «سدّ النهضة» متواضعاً، وقد عبّرت قنوات التواصل المصرية مع النظراء السودانيين عن الانزعاج مراراً إزاء المواقف الملتبسة للخرطوم بخصوص «السدّ» أثناء الجلسات التفاوضية التي يحضرها الجانب الإثيوبي. وقد استمر الانزعاج المصري إلى أن انعقدت «قمة السيسي ـــ أحمد» في القاهرة في بداية الشهر الماضي، إذ خفتت من بعدها الخشية المصرية حيال نيات الحاكم الجديد لأديس أبابا.
اليوم، يحضر السيسي إلى الخرطوم، في ثاني زيارة له منذ عام 2014، يرافقه مدير المخابرات العامة عباس كامل، وعدد من الوزراء، ومن المقرر أن تستمر الزيارة إلى يوم غد. كل المشهد الإقليمي يقول إنّ ما يُعدّ أكبر من مجرد حلّ أزمة «سدّ النهضة» والموقف السوداني في المفاوضات المستمرة، خاصة أنّ مصدراً رئاسياً مصرياً يقول إنّ السيسي «سيطلب من الرئيس السوداني استمرار التعاون الثنائي لتحقيق التكامل مع أديس أبابا، استغلالاً للروح الطيبة التي يبديها رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد»، ملمّحاً في الوقت نفسه إلى أنّ الرئيس المصري سيسعى لأخذ الموقف السوداني النهائي الذي سيُعتمد خلال الجلسات التفاوضية المقبلة.
ما يلفت أكثر على هذا الصعيد أنّ الزيارة قُرِّب موعدها لثلاثة أشهر، وهذا ما سيدعو إلى ترقب المباحثات والمواقف لقراءة أي مشهد إقليمي يتحضر، برعاية إماراتية، ثمّ سعودية.